ذكرى الشيخ البهتيمي.. من "كُتّاب" القرية إلى القصر الجمهوري

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

ذكرى الشيخ البهتيمي تأتي هذا العام لتجدد في نفوسنا عبق زمن التلاوة الجميل، ذلك العصر الذي لم يكن فيه القارئ مجرد صوت يؤدي آيات الذكر الحكيم، بل كان سفيراً للروحانية والخشوع.

 الشيخ كامل يوسف البهتيمي، الذي نحتفي بذكرى ميلاده اليوم (السادس من إبريل)، لم يكن قارئاً عادياً، بل كان ظاهرة صوتية فريدة، استطاعت أن تحول "بهتيم" من مجرد قرية ريفية بسيطة إلى قبلة لعشاق التلاوة ومحبي الأداء المتمكن الذي يجمع بين قوة الحنجرة ورقة الإحساس.

كامل يوسف البهتيمي

طفل بهتيم الذي أبهر الكبار

​في عام 1922، وضعت الأقدار بذرة هذه الموهبة في عزبة "إبراهيم بك" بمحافظة القليوبية. بدأت القصة داخل جدران "الكُتّاب" الخشبية، حيث لفت الطفل كامل الأنظار وهو لم يتجاوز السادسة من عمره.

 لم يكن حفظه للقرآن مجرد ترديد للكلمات، بل كان نبوغاً مبكراً تجلى في إتمام الحفظ كاملاً قبل بلوغ العاشرة.

ذكرى الشيخ البهتيمي تعيدنا إلى تلك الجمعات الأولى في مسجد القرية، حين كان أهالي "بهتيم" يتزاحمون ليس فقط للصلاة، بل للاستماع إلى "الطفل المعجزة" الذي كان يمتلك صوتاً يسبق عمره بسنوات طويلة، مما جعله نجماً محلياً قبل أن يغادر حدود قريته.

العبور نحو القصر الجمهوري

​لم تكن الموهبة وحدها كافية لولا "عين الخبير"؛ فقد لعب القارئ الكبير الشيخ محمد الصيفي دور "الأب الروحي" حين استمع للبهتيمي وأدرك أن هذا الشاب يمتلك خامة صوتية لا تتكرر كثيراً. اصطحبه إلى القاهرة، وهناك بدأت الرحلة الحقيقية.

​وتحل ذكرى الشيخ البهتيمي لتذكرنا بأنه لم يلبث طويلاً حتى صار رقماً صعباً في معادلة دولة التلاوة، حيث تم اختياره قارئاً للقصر الجمهوري، وهو المنصب الذي لم يكن يشغله إلا القمم الشوامخ، فكان يصدح بآيات الله في المحافل الرسمية للدولة المصرية، واثقاً كالجبل، وعذباً كالنهر.

منبر "عمر مكرم" وصدى الإذاعة المصرية

​في عام 1946، فُتحت أبواب الإذاعة المصرية للشيخ الشاب، ومنها انطلق صوته عابراً للحدود والقارات. لكن المحطة الأبرز في مسيرته كانت تعيينه قارئاً للسورة في مسجد "عمر مكرم" بميدان التحرير خلال حقبة الخمسينيات.

​في ذكرى الشيخ البهتيمي، نستحضر مشهد المصلين وهم يتوافدون من كل محافظات مصر إلى قلب القاهرة، فقط ليظفروا بسماع "تلاوة السورة" بصوته، حيث كان يبرع في التنقل بين المقامات بمرونة مذهلة، وكأنه يرسم لوحة إيمانية بآيات القرآن، فكان يجمع بين تلاوة القرآن وفن الابتهالات الدينية بتمكن منقطع النظير.

الرحيل المبكر والإرث الباقي

​رغم أن القدر لم يمهل الشيخ البهتيمي طويلاً، حيث رحل عن عالمنا في عام 1969 وهو في السابعة والأربعين من عمره، إلا أن ما تركه من تسجيلات وتراث إذاعي جعل موته مجرد غياب للجسد.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق