قال الدكتور محمد الجابرى، الأستاذ بقسم التفجيرات النووية ونزع السلاح رئيس المركز الإفريقى لدراسة المخاطر ومنع الكوارث بالمعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، إن الدراسة التى قادها لمعرفة تأثير الزلازل على الهرم الأكبر، أثبتت أنه مُنشأة عبقرية، تتوافق مع المبادئ الحديثة للهندسة، رغم بنائها منذ ٤ آلاف و٦٠٠ عام.
وأوضح الجابرى، فى حواره مع «الدستور»، أن الدراسة اعتمدت على تقنية لا تضر بالآثار، وهى «الضوضاء الزلزالية»، وأثبتت أن الهرم- أثناء الزلازل- يكون «وحدة مترابطة» لا تتأثر بشىء، لأن التصميم يقلل الطاقة المنتقلة إلى المناطق الحساسة داخل البناء.
وشدد على أن المصريين القدماء استطاعوا- بخبراتهم المتراكمة- تعلم فصل الترددات بين التربة والبناء، وتوزيع الكتلة بشكل دقيق عبر التجانس الهيكلى المتقن.
■ بداية.. ما سبب إجراء الدراسة على الهرم الأكبر؟
- بدأت الفكرة من رغبتنا فى فهم سلوك المنشآت التاريخية الضخمة تحت التأثيرات الديناميكية باستخدام تقنيات جيوفيزيائية حديثة، واخترنا الهرم الأكبر تحديدًا لأنه أضخم وأكثر الأهرامات تعقيدًا معماريًا، ما يجعله نموذجًا مثاليًا للدراسة العلمية.
الفرضية الأساسية للدراسة أن الهرم يتمتع بخصائص ديناميكية جيدة نتيجة تصميمه الهندسى المدروس وموقعه على أرض صلبة، وأردنا التحقق من هذه الفرضية من خلال قياسات ميدانية دقيقة.
■ لماذا جرى اختيار تقنية «الضوضاء الزلزالية» تحديدًا؟
- اخترنا هذه التقنية لأنها غير مدمرة وآمنة تمامًا على الآثار، كما أنها تسمح بقياس الاهتزازات الطبيعية الدقيقة للهرم دون الحاجة إلى إحداث أى اهتزازات صناعية.
■ ما نتائج الدراسة؟
- أظهرت القياسات تباينًا واضحًا فى الترددات؛ فالهرم يتذبذب بتردد أساسى يبلغ نحو ٢.٣ هرتز، بينما التربة المحيطة تتذبذب عند نحو ٠.٦ هرتز، وهذا التباين يقلل من احتمالية حدوث الرنين بين الهرم والأرض أثناء الزلازل.
كما أظهرت النتائج تجانسًا عاليًا فى الترددات الأساسية فى معظم أجزاء الهرم، ما يشير إلى أنه يتصرف كوحدة مترابطة بشكل جيد فى أثناء الاهتزازات الأرضية.
■ إلى أى مدى أسهم التصميم الداخلى للهرم فى امتصاص أو تخفيف الاهتزازات؟
- أسهم التصميم الداخلى بصورة ملحوظة فى تخفيف الاهتزازات وامتصاصها، خاصة غرف تخفيف الضغط أعلى غرفة الملك؛ إذ أظهرت القياسات انخفاضًا فى معامل التضخيم رغم ارتفاعها، ما يدل على قدرتها على تقليل الطاقة المنتقلة إلى المناطق الحساسة داخل الهرم.
■ كيف تفسر استقرار الهرم رغم مرور آلاف السنين وتعرضه لعوامل طبيعية متعددة؟
- يرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل المترابطة؛ منها اختيار موقع ممتاز على هضبة صخرية صلبة، والتصميم المتماثل، والتوزيع الجيد للكتلة، والجودة العالية فى التنفيذ، إضافة إلى التصميم الداخلى المتقن.
■ هل تعتقد أن المصرى القديم كان يدرك تأثير نوع التربة على استقرار المبانى؟
- نعم.. يبدو أن أجدادنا كانوا يمتلكون خبرة عملية متراكمة فى هذا الشأن، ويتضح ذلك من نجاح بعض الأهرامات، فى مقابل تعرض أهرامات أخرى لمشكلات ترتبط بطبيعة الأساسات والتربة. كانت أبرز نقطة غير متوقعة نسبيًا هى انخفاض معامل التضخيم داخل غرف التخفيف، رغم موقعها المرتفع، ما يعكس فاعلية تصميمها بصورة لافتة.
■ ما أهمية غرف تخفيف الضغط؟
- تلعب غرف تخفيف الضغط دورًا مهمًا فى توزيع الأحمال وتقليل الإجهادات على غرفة الملك، كما أكدت قياساتنا أنها تسهم أيضًا فى خفض تضخيم الاهتزازات، ما يمنحها أهمية ديناميكية واضحة.
■ هل يمكن اعتبار الهرم الأكبر مُنشأة ذكية هندسيًا بمقاييس العصر الحديث؟
- بالتأكيد، بل يمكن وصفه بأنه مُنشأة عبقرية من حيث النتائج العملية، لكن يجب أن نكون متواضعين وألا نبالغ، فالمصريون القدماء اعتمدوا على خبرة عملية متراكمة وليس على نظريات هندسية حديثة كما نعرفها اليوم.
■ كيف جرى توزيع أجهزة القياس داخل الهرم للحصول على بيانات دقيقة؟
- وزعنا ٣٧ نقطة قياس، فى غرفة الملك وغرفة الملكة والمعرض الكبير وغرف التخفيف والممرات الرئيسية، إضافة إلى المناطق المحيطة بالأساس الصخرى.
■ هل كانت هناك مناطق داخل الهرم يصعب الوصول إليها أثناء تنفيذ الدراسة؟
- نعم، بعض المناطق كانت ضيقة أو مرتفعة، وكان العمل داخلها يمثل تحديًا لوجستيًا، خاصة مع وجود قيود زمنية بسبب حركة الزوار داخل الهرم.
■ ما أكثر لحظة شعرت خلالها بالدهشة خلال تحليل النتائج؟
- كانت لحظة اكتشاف انخفاض معامل التضخيم داخل غرف التخفيف رغم ارتفاعها، فقد كان ذلك مؤشرًا قويًا ومفاجئًا على فاعلية التصميم القديم.
■ هل كانت نتائج الدراسة متوافقة مع النماذج النظرية الحديثة فى هندسة الزلازل؟
- نعم، إلى حد كبير، النتائج تتوافق مع المبادئ الحديثة المتعلقة بفصل الترددات بين المنشأ والتربة، وأهمية توزيع الكتلة، وتحقيق التجانس الهيكلى.
■ إلى أى مدى يمكن توظيف نتائج الدراسة فى حماية الآثار المصرية من أخطار الزلازل مستقبلًا؟
- يمكن الاستفادة من هذه النتائج بصورة كبيرة فى تقييم حالة الآثار، وتحديد المناطق الضعيفة والقوية داخل المنشآت الأثرية، وبالتالى دعم خطط الحماية والترميم المستقبلية.
■ هل هناك نية لإجراء محاكاة رقمية كاملة لسلوك الهرم أثناء الزلازل القوية؟
- مع تطور تقنيات المحاكاة الرقمية، أصبح من الممكن الوصول إلى نماذج أكثر دقة لسلوك الهرم أثناء الزلازل، ما يمثل أحد المسارات المهمة للدراسات المستقبلية.
■ ما الرسالة التى توجهونها للعالم بشأن عبقرية العمارة المصرية القديمة؟
- نريد أن نقول إن المصريين القدماء كانوا عظماء فى الدقة والصبر والتفانى فى العمل، بناء الهرم الأكبر لم يكن مجرد مشروع إنشائى، بل كان مشروعًا ضخمًا استغرق نحو ٢٠ عامًا، وتطلب رؤية طويلة الأمد وعزيمة مستمرة على الإنجاز.
ما إمكانية أن تُظهر الدراسات المقبلة أسرارًا جديدة داخل الهرم الأكبر؟
- أتوقع ذلك بالتأكيد، فالهرم لا يزال يحتوى على الكثير من الأسرار، ومع تطور التقنيات غير المتداخلة وأساليب المحاكاة الرقمية المتقدمة، من المحتمل أن تكشف الدراسات المقبلة معلومات جديدة تتعلق بطريقة البناء والتصميم الداخلى.


















0 تعليق