خفافيش الجبل.. عالم «الدهابة».. رحلة البحث عن الذهب فى البحر الأحمر وأسوان

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بين جبال البحر الأحمر الوعرة، ووسط الوديان الممتدة فى الظهير الصحراوى لمحافظتى قنا وأسوان، تتحرك عشرات السيارات المحملة بـ«الجوالات» الثقيلة المليئة بأحجار وصخور متفاوتة الأحجام، تخفى بين شقوقها تذكرة الثراء السريع لمئات المنقبين من «الدهابة»، الباحثين عن المغامرة والخطر والطموح، من الذين تركوا وظائفهم وأعمالهم التقليدية، وذهبوا خلف حلم البحث عن «عرق الذهب»، وطحن الصخور واستخلاص المعدن الأصفر لبيعه سرًا.

وخلف عالم المغامرة ومزاحمة العمالة الأجنبية من الأفارقة، والهروب من الحملات الأمنية التى تطارد هذا النشاط غير المشروع، تزداد المخاطر والمطامع، وترتفع معدلات الجريمة وحوادث القتل بسبب الخلافات حول تلك التجارة السوداء، الأمر الذى يستحق تسليط الضوء عليه فى السطور التالية.

 

100 ألف جنيه سعر جهاز الكشف عن المعدن.. والربح على المشاركين «حسب التساهيل»

داخل قرية حجازة، التابعة لمركز قوص بمحافظة قنا، عانى «محمد.ع»، فى الأربعينيات من عمره، من ظروف اقتصادية صعبة، إثر توقفه عن العمل كسائق لودر، بسبب حالة الركود التى ضربت قطاع المحاجر، ما اضطره للبحث عن عمل يساعده فى تحمل تكاليف المعيشة له ولأسرته.

وقتها، كما يقول «محمد» قال له أحد أصحابه: «ما تيجى تشتغل مع الدهابة؟»، وللوهلة الأولى لم يفهم «محمد» المقصود من العرض، لكن صديقه شرح له سريعًا أن المقصود هو العمل مع مجموعات التنقيب عن الذهب فى جبال البحر الأحمر، موضحًا أن هذه المهنة أصبحت مصدر رزق أساسيًا لكثيرين من أبناء قنا وأسوان والبحر الأحمر.

«محمد» لم يتردد كثيرًا، واتصل بأحد مقاولى التنقيب، الذى أخبره بأنه يحتاج إلى سائق لودر للمساعدة فى إزالة طبقات التربة والصخور أثناء البحث عن الذهب، لكن المفاجأة لم تكن فى طبيعة العمل، بل فى طريقة احتساب الأجر، لأنه ليس أجرًا بمرتب ثابت، بل يُحدد على هيئة نسب بين المشاركين فى الاستخراج، حتى إن جهاز الكشف عن المعدن نفسه يُحتسب كفرد، وله نصيب من الأجر.

«رمضان. ى»، مالك عدد من أجهزة الكشف، يوضح أنه وسط اتساع ظاهرة التنقيب، أصبحت أجهزة الكشف عن المعادن جزءًا أساسيًا من المشهد، والأكثر إثارة أن بيعها يتم بصورة شبه علنية.

ويؤكد «رمضان» أن الحصول عليها لا يحتاج إلى إجراءات معقدة، قائلًا: «اشتريت جهازين بحوالى ١٠٠ ألف جنيه من محلات معروفة جدًا، وبعدها سلمتها لـ(الدهابة)، مقابل نسبة من الذهب».

ويشير إلى أن الجهاز يُعامل كشريك كامل خلال رحلة التنقيب، ويحصل صاحبه على حصة مستقلة من الذهب المستخرج، مؤكدًا أن هذه الأجهزة أصبحت بمثابة بوابة الدخول إلى عالم التنقيب، خاصة بعد التطور الكبير فى تقنيات الكشف عن المعادن، التى سهّلت الوصول إلى أماكن الخام داخل الجبال والوديان.

الأهالى: التنقيب جذب الأفارقة لأنهم «أرخص».. وقرانا تحولت لمأوى للخارجين عن القانون

 

مع انتشار النشاط غير المشروع، وتزايد أعداد العاملين به يومًا تلو الآخر، تحولت القرى القريبة نسبيًا من مناطق التنقيب الجبلية إلى مأوى للباحثين عن الثراء السريع، الذين جذبوا معهم تجارة المخدرات والخارجين عن القانون، بالإضافة إلى الأجانب من جنسيات إفريقية، والمهاجرين غير الشرعيين. 

يقول الحاج «ع.م»، من سكان منطقة وادى عبادى بمركز إدفو بأسوان، إن التنقيب عن الذهب «جلب إلى بلادنا السودانيين والأفارقة، ما زاد من خطورة الوضع فى المنطقة». وأشار إلى أن العمالة الأجنبية لا تحمل أى بطاقات هوية، ولا يعرف من هم، ما يثير الذعر بين الأهالى، بعد أن تحولت قراهم الآمنة إلى مأوى لهؤلاء المجهولين.

الأمر نفسه أكده «أ.ى»، ٣٣ عامًا، من سكان وادى عبادى، بقوله إن التنقيب عن الذهب عادة ما يجرّ خلفه تجارة المخدرات والسلاح، ما جعل المنطقة تعج بالمواد غير القانونية، فضلًا عن توافد الخارجين عن القانون لشراء المواد المخدرة من منطقة «المثلث» بوادى عبادى.

فيما تقول الحاجة «أ.ع»، ٦٥ عامًا، من سكان منطقة أبوريش بمركز أسوان، إن الأخبار الحزينة تأتيها بين حين وآخر حول مقتل بعض الشباب العاملين فى نشاط التنقيب غير المشروع، معتبرة أن أعمال التنقيب عن الذهب أصبحت تجارة شرسة يفضلها الشباب لسرعة جنى الأرباح.

وتوضح الحاجة «ع.ع»، من قرية سلوا، بمركز كوم أمبو، أن معدلات الجريمة بالمنطقة آخذة فى الارتفاع، بسبب تلك التجارة السوداء، مشيرة إلى أنها فقدت أحد أقاربها فى تلك التجارة المشبوهة، بعد عمله مع المنقبين بمنطقة جبال العلاقى، وظلت الجثة هناك حتى تدخلت الأجهزة الأمنية ونجحت فى استخراجها من بين الجبال.

أما الحاج «ع.ع»، من قرية الجعافرة بمركز دراو بأسوان، فيقول إن التنقيب عن الذهب أسهم فى تبوير مساحات من الأراضى الزراعية لإنشاء مطاحن الذهب، مع الاعتماد على سرقة التيار الكهربائى، ما أثر سلبًا على الجهد الكهربائى للقرية بأكملها.

ويوضح أن تلك المطاحن استقدمت أشخاصًا غرباء من السودانيين، وهو أمر لم يلقَ استحسانًا لدى أهالى القرية.

الأمر نفسه تحدث عنه «ب.أ»، ٥٠ عامًا، من سكان مدينة دراو، بقوله إن التنقيب جعل المدينة تضم أعدادًا كبيرة من السودانيين، نظرًا لزيادة الطلب عليهم فى أسواق التنقيب لأنهم «عمالة أرخص».

ولفت إلى أن العامل المصرى يتقاضى ثلاثة أضعاف ما يتقاضاه العامل السودانى، لذا يفضله الناشطون فى التنقيب، لأنه يساعدهم فى تحقيق ربح أعلى. 

 

الاستخلاص بالمعاول.. التنقية بـ«السيانيد السام».. والجرام أقل من السوق بـ100 جنيه

داخل المناطق الجبلية تبدأ رحلة البحث الحقيقية، حيث يحمل أحد المنقبين جهاز الكشف فوق كتفه، ويتحرك ببطء بين الصخور، فى صمت يقطعه أحيانًا صوت الجهاز، معلنًا عن وجود معدن فى الأسفل، وعندها تبدأ عملية الحفر.

يقول «محمد.ع»، سائق اللودر: «فى أوقات معينة يستخدمون الفئوس، والأدوات بدائية، وفى أوقات أخرى يحتاجون لوادر وحفارات لإزالة الطبقات الصخرية الكبيرة فوق المعدن النفيس، لأن الذهب غالبًا ما يوجد داخل أحجار الكوارتز، المعروفة بين المنقبين باسم العِرق، وطن الكوارتز ممكن يطلع من ١٥٠ لـ٢٠٠ جرام ذهبًا، حسب جودة الحجر والمنطقة».

وأشار إلى أن العثور على الخام ليس نهاية الرحلة، بل يمثل بدايتها فقط، وبعد استخراج الأحجار يتم نقلها إلى مناطق خاصة بعيدة عن الأنظار، حيث تبدأ عملية الطحن والتكرير، لتعلو أصوات ماكينات التكسير وسط الجبال، فيما تتحول الصخور تدريجيًا إلى مسحوق ناعم، قبل خضوعها لمراحل معقدة من التنقية، باستخدام مواد كيميائية لعزل الذهب عن الشوائب، واستخدام مواد خطرة منها السيانيد والزئبق.

ويصف «حسانى»، أحد العاملين فى التنقيب عن الذهب، أن مرحلة استخلاص المعدن من الحجر تعد المرحلة الأخطر والأصعب، لذا تحتاج إلى أشخاص لديهم خبرة كبيرة فى هذه العملية التى لا تتم بشكل عشوائى، لأنها تحتاج إلى خبرة وصبر، وفى النهاية تتجمع حبيبات الذهب فى صورة كتلة صغيرة تُباع لتجار متخصصين، يشترون الخام بعيدًا عن الأسواق الرسمية.

ويكشف المنقبون عن أن الذهب الخام يباع بسعر أقل من السوق بنحو ١٠٠ جنيه للجرام، بسبب كونه ناتجًا عن عمليات استخراج غير قانونية، وبما يسمح بتربح المشترى للمادة الخام. ويوضح هؤلاء أنه فى جنوب البحر الأحمر، خصوصًا بمنطقة شلاتين والمناطق المحيطة بها، لا يُنظر إلى التنقيب باعتباره مهنة غريبة أو جديدة، بل يعد وسيلة كسب العيش لكثير من الأهالى.

ويقول «عبدون.م»، أحد أبناء قبائل العبابدة، إن أجداده عرفوا التنقيب منذ عشرات السنين، موضحًا: «إحنا أكتر ناس عارفين الجبال والوديان ومداخلها، وعارفين أماكن عروق الدهب». ويشير إلى أن نقص فرص العمل فى جنوب البحر الأحمر يدفع كثيرًا من الشباب للاعتماد على التنقيب كمصدر دخل رئيسى، بجانب المحاجر ورعى الأغنام وتجارة الجِمال، ورغم المخاطر الكبيرة، لا ينكر العاملون بالمهنة الأرباح الضخمة التى يحققها بعض الرحلات. هذا الأمر يوافقه عليه «محمد.ع»، سائق اللودر، بتأكيده أن مجموعته ربحت خلال رحلة واحدة استغرقت نحو ٢٥ يومًا نصف مليون جنيه.

وعن ذلك النشاط، يوضح المحامى «محمد عرفات» أن القانون رقم ١٤٥ لسنة ٢٠١٩ الخاص بتعديل قانون الثروة المعدنية، ينص على فرض عقوبات صارمة بحق المنقبين دون ترخيص، مشيرًا إلى أن العقوبة تشمل الحبس لمدة لا تقل عن سنة، وغرامة تصل إلى ٥ ملايين جنيه، مع تشديد العقوبة فى حالة تكرار الجريمة، لكن رغم ذلك لا تزال رحلات البحث عن الذهب مستمرة، مصحوبة بأحلام البعض فى تحقيق الثراء السريع بالمخالفة للقانون.

«الداخلية» تشن حملات واسعة: عمليات خاصة ومدرعات لضرب أوكار التنقيب فى الجبال 

فى قلب الجبال الوعرة الممتدة بين محافظات قنا وأسوان والبحر الأحمر، تخوض أجهزة وزارة الداخلية معارك ضارية مستمرة ضد عصابات التنقيب عن الذهب المشهورين بـ«الدهابة»، التى أصبحت واحدة من أخطر الجرائم المرتبطة بالاقتصاد الخفى والسلاح والمخدرات، حيث تحول بعض المناطق الجبلية خلال السنوات الأخيرة إلى بؤر لأنشطة غير قانونية تديرها عصابات الدهابة.

وخلال الفترة الماضية، كثفت وزارة الداخلية ضرباتها الأمنية لتلك الشبكات، عبر حملات موسعة قادها قطاع الأمن العام بالتنسيق مع مديريات الأمن المختلفة، استهدفت أوكار التنقيب العشوائى ومخازن الخام وورش استخلاص الذهب، فى إطار خطة الدولة لإحكام السيطرة على الثروات التعدينية وحماية مقدراتها الطبيعية.

وحاصرت وزارة الداخلية عصابات الدهابة فى أوكارهم وبدأت فى القضاء على نشاطهم الإجرامى، خاصة بعد «مذبحة الحويطات» التى تسببت فى مقتل ٨ بعد أن أمطرهم شخص بالأعيرة النارية بسبب خلاف على التنقيب عن الذهب، وبدأت أحدث المواجهات الأمنية فى محافظة قنا، حيث رصد قطاع الأمن العام تحركات لتشكيل عصابى دولى شديد الخطورة يضم ٢٥ عنصرًا إجراميًا، من بينهم ٨ أجانب، تخصصوا فى التنقيب غير المشروع عن الذهب وإدارة مواقع لطحن أحجار الكوارتز بالظهير الصحراوى لمركز قوص، وفور مداهمة الوكر بمشاركة قوات الأمن المركزى، بادر المتهمون بإطلاق النار، ما أسفر عن مصرع أحد عناصرهم وضبط الباقين، وتحريز ترسانة أسلحة ثقيلة ضمت مدفع RPG ورشاشات وسيارات ومعدات بلغت قيمتها الإجمالية ٥٠ مليون جنيه.

كما وجهت العمليات الخاصة ضربة قاصمة فى جبال أسوان استهدفت عنصرين جنائيين من أخطر ممارسى أعمال البلطجة وفرض النفوذ على المنقبين. وبمجرد أن استشعروا وجود القوات، دخل المتهمان فى اشتباك مسلح انتهى بمصرعهما، وعُثر بحوزتهما على رشاشات جرينوف وكميات من المواد المخدرة، لتتوالى النجاحات فى نفس المحافظة بضبط ٤ متهمين آخرين وبحوزتهم ذهب خام ومبالغ مالية ضخمة تجاوزت ٧٧ مليون جنيه ناتجة عن التجارة غير المشروعة.

ولم تتوقف المواجهات عند ضبط المنقبين فقط، بل امتدت إلى ملاحقة التشكيلات المسلحة التى تحاول فرض السيطرة على بعض المناطق الجبلية الغنية بالخام، خاصة مع تسلل أجانب من المنطقة الحدودية للاستيلاء على خام الذهب من الأراضى المصرية وتهريبه بالاشتراك مع عناصر جنائية، وتشترك فى مأموريات ملاحقة الدهابة قوات ضخمة من عدة قطاعات مشكلة من قطاعى الأمن العام والأمن المركزى، حيث يتم الاعتماد على قوات العمليات الخاصة وقوات الانتشار السريع بسيارات مصفحة ومدرعات مناسبة لاقتحام المناطق الجبلية والسير فى الدروب الصحراوية ومداهمة أوكار خفافيش الذهب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق