الخبير اليونانى جورج موريتيس: أمان قناة السويس مفتاح استقرار قارة أوروبا

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

رأى المُحلل السياسى والناشر اليونانى، جورج موريتيس، أن الاستقرار فى قناة السويس والبحر الأحمر أمر بالغ الأهمية لليونان وأوروبا، خاصة بعدما أجبرت الاضطرابات الحالية العديد من السفن على تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، ما زاد من الوقت والتكلفة.

وأضاف «موريتيس»، خلال حواره مع «الدستور»، أن هناك تعاونًا كبيرًا بين اليونان ومصر، خاصة أن البلدين ارتقيا بعلاقتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مع التركيز على التعاون فى مجالات الطاقة والأمن والاستقرار الإقليمى.

 

■ بداية.. كيف تقيّم الوضع الجيوسياسى الراهن فى شرق المتوسط فى ظل الحروب فى غزة وأوكرانيا وإيران؟

- يشهد شرق المتوسط حاليًا فترة من عدم استقرار، فالحرب فى غزة وفى أوكرانيا، والتوترات فى البحر الأحمر، وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، كلها عوامل تخلق بيئة يتداخل فيها الأمن والطاقة والممرات البحرية والدبلوماسية بشكل مترابط وثيق.

وتسعى اليونان، بصفتها عضوًا فاعلًا فى الاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلسى، إلى أن تكون ركيزة للاستقرار، وجسرًا يربط بين أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفى هذا السياق، يلعب التعاون مع مصر دورًا محوريًا فى تعزيز مكانة الدولتين فى المنطقة.

■ ما مدى أهمية مصر فى التفكير الاستراتيجى اليونانى خاصة فيما يتعلق بالتعاون فى مجال الطاقة والأمن البحرى واستقرار شرق المتوسط؟ وهل تتجه العلاقات اليونانية المصرية نحو شراكة استراتيجية أوسع؟

- مصر من أهم الشركاء الاستراتيجيين لليونان، فهى ليست مجرد دولة صديقة، بل هى لاعب رئيسى فى منطقة البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط وإفريقيا، وفى مجالات الطاقة والأمن البحرى.

وارتقى كل من اليونان ومصر بعلاقتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مع التركيز على الطاقة والأمن والتعاون الاقتصادى والاستقرار الإقليمى. واتفقا على ترسيم الحدود البحرية «المنطقة الاقتصادية الخالصة»، ويكتسب مشروع الربط الكهربائى بين اليونان ومصر أهمية خاصة، إذ يُمكنه نقل الطاقة المتجددة من شمال إفريقيا إلى أوروبا.

ولعل الأهم من ذلك، أن البلدين يتشاركان جذورًا ثقافية عميقة. فاليونانيون والمصريون من أقدم الحضارات فى البحر الأبيض المتوسط، ويربطهم إرث الإسكندر الأكبر ومكتبة الإسكندرية والتقدم العلمى والتراث التاريخى المشترك. وتعود علاقتهما إلى العصور القديمة ولا تزال قوية بنفس القدر حتى اليوم.

■ هل ترى أن النقاش السياسى الجاد بين الدول أصبح أكثر صعوبة؟

- نعم، بات أكثر صعوبة، خاصةً بعد عهد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى أعاد تشكيل المشهد السياسى. نعيش فى بيئة تتسم بالسرعة والاستقطاب والضجيج الرقمى، تُشجع وسائل التواصل الاجتماعى الصراع والمبالغة والتصريحات المختصرة، بدلًا من التفكير المتعمق القائم على الأدلة، وهو نهج يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ«مدرسة ترامب» فى التواصل.

بصفتى ناشرًا وخبيرًا إعلاميًا، أؤمن بأن النقاش السياسى الجاد يتطلب وقتًا ومعرفة وحججًا واحترامًا. هذه الأمور مُهددة اليوم، لكنها لم تختفِ. لا يزال هناك جمهور يتوق إلى العمق والتحليل الجاد.

لا تكمن مسئولية الإعلام والناشرين والقادة الفكريين فى خفض المعايير لمجاراة الضجيج، بل فى الدفاع عن حوار عام هادف. يجب على القيادة السياسية والفكرية أن تُرسّخ ثقافة الاعتدال والعقلانية.

■ كيف تصف جمهور القراء اليونانى وخاصة بين الأجيال الشابة؟ 

- يشهد جمهور القراء اليونانى شيخوخةً وانكماشًا، تمامًا كما هو الحال فى سوق الكتب العالمية، وهو أكثر تشتتًا عن ذى قبل. لا يزال هناك جمهور من كبار السن يبحث عن أعمال سياسية وتاريخية وفكرية جادة، لكن شريحة أكبر من القراء تتجه نحو فئات أكثر تجارية: روايات الجريمة، وكتب التنمية الذاتية، والسير الذاتية، وعلم النفس، والروايات التاريخية، والكتب التى تتماشى مع التوجهات العالمية.

بين الأجيال الشابة، تتنافس القراءة مع الهواتف الذكية ومنصات البث ووسائل التواصل الاجتماعى. هذا لا يعنى أن الشباب لا يقرأون؛ بل يقرأون بانتقائية أكبر ويتأثرون غالبًا بتطبيقات مثل «تيك توك وإنستجرام» والبودكاست والتوجهات العالمية.

تجدر الإشارة أيضًا إلى أهمية سوق كتب الأطفال، التى يعتبرها الكثيرون قطاعًا متناميًا.

■ ما مدى خطورة القرصنة فى سوق النشر اليونانية وخاصة من خلال ملفات PDF والمشاركة الرقمية؟ 

- تُعد القرصنة مشكلة خطيرة، لا سيما من خلال ملفات PDF غير القانونية والكتب الممسوحة ضوئيًا ومجموعات المشاركة الرقمية. فى سوق كبيرة، قد تُستوعب هذه الخسائر بسهولة أكبر. أما فى السوق اليونانية، حيث تكون أعداد النسخ المطبوعة قليلة وهوامش الربح ضيقة، فإن حتى بضع مئات من المبيعات الضائعة قد تؤثر على التوازن المالى للكتاب.

لا تقتصر المشكلة على الجانب الاقتصادى فحسب، بل تتعداه إلى احترام المؤلف والمترجم والمحرر والناشر. فالكتاب عمل فكرى ونتيجة استثمار كبير. فى اليونان، تُخفف حدة هذه المشكلة نوعًا ما بفضل جهود هيئات إنفاذ حقوق النشر المختصة. مع ذلك، من المرجح أن تتفاقم المشكلة مع انتشار الذكاء الاصطناعى، الذى يستخدم الأعمال الأصلية من دون تعويض أصحاب الحقوق بالضرورة.

■ ما مدى قوة تأثير الإنتاج الثقافى الأنجلو- أمريكى على القراء اليونانيين واتجاهات النشر؟ 

- يتمتع النفوذ الثقافى الأنجلو- أمريكى بقوة هائلة. يتابع القراء اليونانيون عن كثب قوائم الكتب الأكثر مبيعًا عالميًا، ومنصات البث، ووسائل الإعلام الرئيسية، والبودكاست، والاتجاهات الناشئة فى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

يشعر الناشرون اليونانيون بضغط تجارى لمواكبة هذه الاتجاهات، نظرًا لكثرة الطلب فيها. مع ذلك، لا يُعد هذا بالضرورة أمرًا سلبيًا. يكمن السر فى التوازن: ترجمة الأعمال العالمية المهمة مع الحفاظ على مساحة للفكر اليونانى والأدب اليونانى، ولأصوات من مختلف أنحاء العالم.

تتجه دار النشر الخاصة بى نحو الإنتاج باللغة الإنجليزية، ومعظم ترجماتنا من الإنجليزية. نسعى إلى مواكبة التوجهات العالمية مع المساهمة فى تشكيل التوجهات التجارية داخل المجتمع اليونانى.

■ هل لا تزال دور النشر اليونانية مهتمة بترجمة الأدب العربى والكتابات السياسية وخاصة من مصر والعالم العربى؟ وما الذى يجعل كتابًا أجنبيًا جديرًا بالنشر فى اليونان؟

- نعم، هناك اهتمام، ولكنه ليس بالقدر الكافى. يتميز الأدب العربى، وخاصة الأدب المصرى، بعمق تاريخى وثقافى كبير. مع ذلك، فى اليونان، يعتمد نشر الكتب الأجنبية على معايير محددة: قوة المؤلف، والشهرة العالمية، وملاءمة الموضوع، وجودة الترجمة، والقدرة على تسويق الكتاب فى السوق اليونانية. وطورت الدولة اليونانية أدوات لربط دور النشر اليونانية بالعالم العربى. ومؤخرًا، كانت اليونان ضيف شرف فى معرض الشارقة الدولى للكتاب فى الإمارات العربية المتحدة، حيث انخرطت دور النشر اليونانية فى مجال النشر باللغة العربية. والمطلوب هو تعاون أقوى لتعزيز التفاعل المثمر بين الثقافتين.

■ كيف تنظر اليونان إلى التهديدات المتزايدة للأمن البحرى خاصة تصعيد الوضع فى مضيق هرمز؟

- تأخذ اليونان هذه التهديدات على محمل الجد، خاصة أنها القوة البحرية الرائدة فى العالم. إن أمن الممرات البحرية ليس مسألة نظرية، بل يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد اليونانى، والشحن، وتكاليف النقل، والطاقة، وسلاسل التوريد.

وأجبرت الاضطرابات فى البحر الأحمر العديد من السفن على تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، ما زاد من الوقت والتكلفة. ويُعد الاستقرار فى قناة السويس والبحر الأحمر أمرًا بالغ الأهمية لأوروبا، وخاصة لليونان.

وفى حال استمرار تصاعد التوتر فى مضيق هرمز، ستكون العواقب وخيمة، خاصة على أسواق الطاقة والأسعار العالمية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق