بين أروقة المحاكم وصرخات البيوت المكتومة تضيع ملامح براءة فُرض عليها أن تدفع ضريبة قرارات لم تتخذها. إن قضايا الانفصال والخلافات الزوجية ليست مجرد عقود تُفسخ أو شراكات تنتهى، بل هى زلازل اجتماعية تقع ارتداداتها الأعنف فوق رءوس الأطفال الأبرياء، الذين يتحولون فى كثير من الأحيان من ثمرة حب إلى أوراق ضغط أو ضحايا فى معارك الكبار.
عندما يشتعل الصراع بين الزوجين ينسحب التركيز من احتياجات الطفل الاجتماعية والنفسية إلى «أنا» جريحة لكل من الأب والأم. الحقوق المهدرة هنا لا تقتصر على المأكل والملبس، بل تمتد لتشمل الأمان العاطفى، وهو الحق الأصيل الذى يمنح الطفل التوازن للانطلاق نحو الحياة. فى لحظات الخصام، يُجبر الطفل على أن يكون شاهدًا، أو وسيطًا، أو حتى جاسوسًا، ما يجعله يعيش حالة من التمزق والولاء المزدوج التى تفتك بهويته الذاتية.
ولذلك يعد الاستقرار النفسى الركيزة الأساسية لنمو الطفل. فى حالات الخلاف الحاد يحرم الطفل من حقه فى الهدوء، ويستبدل ذلك ببيئة مشحونة بالتوتر. والدراسات النفسية تؤكد أن الأطفال الذين ينشأون فى بيئات يسودها الصراع يعانون من مستويات مرتفعة من هرمون الإجهاد، ما يؤثر على نموهم العقلى وقدرتهم على التركيز. إضافة إلى احتمالات الإصابة بالاكتئاب والقلق المبكر.
أحد أبشع وجوه إهدار الحقوق يظهر فى تحويل الالتزامات المادية والقانونية إلى أدوات للتنكيل بالطرف الآخر.
ويستخدم بعض الآباء أو الأمهات منع الطفل من رؤية الطرف الآخر كعقوبة، متناسين أن هذا حق للطفل قبل أن يكون حقًا للوالد. هذا الانقطاع القسرى يولّد لدى الطفل شعورًا بالتخلى والرفض. وفى المقابل قد يماطل الطرف الملزم بالنفقة فى دفعها كوسيلة للضغط المالى على الطرف الآخر، ما يؤثر مباشرة على جودة حياة الطفل التعليمية والصحية. وهنا يقايض حق الطفل فى العيش الكريم بانتصارات وهمية فى معارك شخصية.
إن إهدار حقوق الطفل فى مرحلة الانفصال لا يمر دون ثمن باهظ يدفعه المجتمع مستقبلًا. الطفل الذى يرى والديه يتبادلان الاتهامات والشتائم يفقد الثقة فى مؤسسة الأسرة، وتتشوه لديه مفاهيم المودة والرحمة. وهنا يبرز مصطلح «الاغتراب الوالدى»، حيث يسعى أحد الوالدين لتشويه صورة الآخر فى ذهن الطفل. هذا الفعل ليس مجرد سلوك خاطئ، بل هو انتهاك صارخ لحق الطفل فى تكوين صورة إيجابية عن جذوره. عندما يلقن الطفل كراهية أبيه أو أمه، فإنه يُحرم من نصف هويته، ما يؤدى إلى صراعات داخلية تدمر تقديره لذاته.
ورغم وجود القوانين التى تنظم الحضانة والنفقة، فإن القوانين وحدها لا يمكنها حماية مشاعر الطفل. والحماية الحقيقية تكمن فى الانفصال الواعى. ويجب على الوالدين إدراك أن دورهما كزوجين قد انتهى، لكن دورهما كأبوين هو ميثاق غليظ لا ينتهى بالطلاق، ولا يجوز المساس به تحت أى ظرف من ظروف النزاع المادى.إن المخرج الوحيد من نفق الحقوق المهدرة هو تبنى مبدأ مصلحة الطفل الفُضلى كمعيار وحيد وأساسى لكل قرار يُتخذ بعد الانفصال.
وحتى فى أشد حالات الخلاف، يجب إيجاد قناة تواصل رسمية ومحترمة تخص شئون الأطفال فقط.
ولا بد من تفعيل دور المؤسسات الاجتماعية لمراقبة وضع الأطفال بعد الطلاق، لضمان عدم تعرضهم للإهمال أو الاستغلال العاطفى. الأطفال ليسوا ممتلكات شخصية نتصرف بها حسب أمزجتنا، بل هم أمانة ومستقبل.
إن الخلافات الزوجية قَدَر قد يقع، والانفصال قد يكون حلًا لبيئة غير صحية، لكنه يجب ألا يكون أبدًا عذرًا لإهدار حقوق هؤلاء الصغار. إن حماية حقوق الطفل بعد الانفصال هى المقياس الحقيقى لتحضر الوالدين ورُقى المجتمع.
















0 تعليق