ياسر حمدي يكتب:رسالة إلى النخب العربية.. «لا تقعوا في الفخ»!

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

أعتقد أن بإنتهاء الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأمريكية الحالية وبغض النظر عن من هو الطرف المنتصر، فإن هناك تداعيات خطيرة ستحدث بالمنطقة وستمتد لزمن طويل، وأكاد أجزم أن أخطر تلك التداعيات هي إعادة تشكيل طبيعة العلاقات الخليجية المصرية.

فبعض الخليجيين! وعلى عكس الحقيقة يروا أن مصر لم تقف بجوارهم في أزمتهم الحالية، وبعضهم يرى كذبًا أن المحروسة تأخرت في إدانة الهجمات الإيرانية عليهم، وكذلك زيارات الرئيس السيسي ووزير الخارجية السيد بدر عبدالعاطي، متناسين الجولات المكوكية التي قامت بها القاهرة منذ اللحظة الأولى لإندلاع الحرب على المستويين السياسي والدبلوماسي.

بدأت الاتهامات لمصر تأخذ شكلًا قويًا بعد إنتشار دعاء أحد أئمة المساجد لآل البيت والسيدة فاطمة وإعتبار ذلك إشارة لدعم مصر لإيران، أكدته إيران بلصق صورة لهذا الشيخ على أحد صواريخها، فخرجت أصوات تطالب بتشكيل مجلس تعاون عربي يضم دول الخليج الستة والمغرب والأردن على حساب جامعة الدول العربية.

السادة الأشقاء في الخليج قبل طرح الاتهامات لمصر بدون وجه حق وجب عليكم أن تفكروا بمنطق وموضوعية في هذه الأسئلة التي تطرح نفسها ونسألها أيضًا كمصريين غيورين على وطنهم: ما الغرض من وجود القواعد العسكرية الأمريكية في أوطانكم؟! أليست مهمتها الأساسية تأمين الحماية لبلدانكم وشعوبكم من أي تهديد خارجي؟!.
عزيزي الخليجي، إذا كانت الدول الخليجية قد إختارت بالفعل الإعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية، بإعتبارها القوة العسكرية والسياسية الأكبر عالميًا، لتأمين أمنها! فما الذي يُنتظر تحديدًا من مصر أن تقدمه لكم أكثر مما قامت به؟! وأكتفي بهذا القدر من الطرح، خاصةً في ظل ظروف إقليمية دقيقة، نحن فيها أحوج ما نكون إلى التقارب والتكاتف، لا إلى إثارة الخلافات والانقسامات.
ولذلك أتوجه برسالة عاجلة إلى النخب العربية وبالأخص الخليجية التي تمعن في الوهم وتظنه حقيقة واقعة، بأنه يمكن لأي طرف عربي أن ينجو وحيدًا من الحرب الجارية؛ إنما هو يخطو بشكل متسارع نحو فخ منصوب ومعد سلفًا.
في الثالث من مارس عام 1978، وبعد ومقاطعة العرب لمصر، دعا الأستاذ توفيق الحكيم إلى «حياد مصر»، في محاولة منه لتفادي تورط البلاد في صراعات منهكة في محيطها العربي، على أن يكون البديل هو توجيه كامل الجهد الوطني نحو التنمية الداخلية والبناء.
هذا الطرح، الذي وجد صدى واسعًا بين بعض النخب العربية، جاء على خلفية زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس عام 1977، وقتها ظن العرب وعلى رأسهم قادة الدول الخليجية وغيرهم، وبعض النخب العربية أن مقاطعة مصر وإنكماشها سيضعفها ويقلل من دورها الريادي والمؤثر في محيطها العربي والإقليمي!!.

ولكن المقاطعة والانكماش الذي ظن البعض أنه سيضعف مصر ويحد من دورها المؤثر والريادي والقوي بالمنطقة والمستوى العالمي، تبين مستقبلًا أنه مغامرة خطيرة بمصالحهم الأمنية والسياسية، وأن السادات كان محقًا عندما دعى الأشقاء العرب والأخوة الفلسطينيين إلى كامب ديفيد، وأنهم أخطئوا في حساباتهم وتقديرهم لموقف مصر، ونظرًا لتعدد منافذها على بلدان وأراض عربية، فما لبث إلا أن عادت فاعلة ومؤثرة في محيطها العربي أكثر مما كانت عليه، ولم تترك أي دولة عربية ولن تتخلى عنهم في أي محنه رغم المقاطعة.

أيها العرب، مصر وقتها تخطت المحنة والمقاطعة العربية لقوتها العسكرية وإنتصارها على عدوها، وقوة الدبلوماسية المصرية التي تميزها عن غيرها، القاهرة تخطت الوحدة برزانة قادتها وعبقرية دبلوماسييها وقوة جيشها، لكن الحقيقة المحروسة وهي وحيدة كانت عرضة للخطر لأي مستعمر أو طامع، لكن الله وعدها بالأمن والأمان فكان فضله عليها عظيمًا.

اليوم، ونحن أمام نفس الكارثة، تتبدى معالم نفس «الفخ» لكن بشكل آخر، وهو اعتقاد قدرة أي طرف عربي على النجاة وحيدًا دون طرف عربي آخر، وإليكم استحالة تحقيق هذا.

إسرائيل عدونا اللدود ومعها الولايات المتحدة الأمريكية، نصبا «الفخ» لدول الخليج، وحاولا توريطهم في الحرب الحالية، وكانت خطت الكيان الصهيواميركية هو إشعال فتيل الحرب، وترك الخليج وحيدًا في مواجهة إيران بتحويل الحرب إلى حرب «سنية شيعية»! لولا عبقرية الدور المصري ورزانة قادة دول مجلس التعاون الخليجي في فشل هذا الفخ لتحول الصراع إلى ديني.

يا سادة، هناك دراسة لمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام حررت عام 1978، تأكد بما لا يدع مجالًا للشك أن انعزال أي دولة عربية وانكفاءها على نفسها إنما هو تسهيل رسمي لأي قوة نافذة بالتمدد واتساع رقعة الهيمنة.

وقد أثبتت جميع الدلائل أن المنطقة العربية من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي منطقة «جيوبوليتيكية» واحدة بصورة عامة، وقد اتضحت هذه الحقيقة، وخاصةً مع اقتراب العصور الحديثة؛ فأمنها واحد، ومصيرها واحد إزاء الغزو الخارجي، وإزاء النفوذ الخارجي.

فدروس التاريخ التي لا نتعلم منها في هذا الشأن شاهدة على ما يقصده الإحتلال الذي يؤمن بكلية السيطرة وليس بنسبيتها؛ إذ لم يكتفي الحيثيون بالشام، ولم يتركوا العراق في سلام، ولولا مقاومة مصر العسكرية وقوتها ما ارتدوا إلى الأناضول حيث جاءوا؛ ولم يقف قمبيز الفارسي في اجتياحه عند العراق، بل اجتاح مصر، ولولا أن جيشه هلك في صحراء مصر الغربية لاستولى على ليبيا وما وراءها.

كذلك فإن الإسكندر الأكبر لم يستولى على مصر وحدها، ولكنه إستولى على الشام والعراق وما وراءه حتى بلغ حدود الهند؛ والإمبراطورية الرومانية لم تستعمر مصر وحدها، بل استعمرت جنوب البحر المتوسط كله وشرقه كله، وفعلت الإمبراطورية البيزنطية نفس الشيء.

والإمبراطورية العثمانية لم تترك دولة في شرق البحر المتوسط أو جنوبه إلا ووقعت تحت الإحتلال العثماني والتبعية لإسطنبول، حيث يوجد هناك المقر البابوي -الباب العالي- الذي نهب ثروات العرب وكان السبب الرئيسي في وجود إسرائيل وقيامها بالمنطقة.

وبونابرت حين غزا مصر، غزا بعدها الشام، وكان مخططه المعلن لحكومة الإدارة في فرنسا أن يسد البحر الأحمر طريق الهند والشرق الأقصى على الإنجليز، ولولا توازنات القوى في المنطقة وظروف فرنسا الأوروبية وقتها لأفلح فيما أفشل فيه الإسكندر، ويوليوس قيصر، وقسطنطين، وآل عثمان.
وهنا تبرز حقيقة واضحة وضوح الشمس في الواقع: أن أي استعمار خارجي أو دولًا ذات نفوذ تسعى للهيمنة لا تقتصر مخططاتها على أرض واحدة أو بلد عربي واحد؛ فالكل مستهدف فلا تخطوا نحو نفس الكارثة.

لا تُسلموا طوعًا بأن المراجعات التي يدعو البعض إليها في علاقة بلاده بدول عربية هي محاولة للانتشال من فخ الحرب؛ فالفخ المنصوب والمحكم هو تحييد الدول العربية وجعلها في أوطانٍ منعزلة.

واعلموا أن الغرب يهدف منذ سنوات إلى تقليص الدور المصري في المنطقة، بحيث لا يتعدى حدودها الجغرافية، فلا تكونوا وقودًا لفتنة يسعى إليها العدو -إسرائيل وأمريكا- ويخطط لها منذ أمد بعيد.. فهذه الأرض ليست لهم.. حفظ الله الأمة العربية، وحفظ مصر أرضًا وشعبًا وجيشًا وقيادة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق