في مثل هذا اليوم الخامس من أبريل، تمر ذكرى رحيل الكاتب نعمان عاشور أحد أبرز أعمدة المسرح المصري، الذي غاب عن عالمنا عام 1987، بعد مسيرة إبداعية امتدت لسنوات طويلة، رسخ خلالها مكانته كأحد رواد الدراما الواقعية في مصر والعالم العربي.
كان نعمان عاشور شاهدًا على تحولات المجتمع، وناقدًا حادًا لقضاياه، استطاع أن يحول خشبة المسرح إلى مساحة نابضة بالحياة، تعكس هموم الناس وتناقضاتهم، عبر كوميديا ساخرة تحمل في طياتها عمقًا فكريًا وإنسانيًا.
نعمان عاشور.. من ميت غمر إلى عالم المسرح
ولد نعمان عاشور في 17 يناير 1918 بمدينة ميت غمر بمحافظة الدقهلية، ونشأ في بيئة ساهمت في تشكيل وعيه الثقافي مبكرًا، إذ تأثر بحب والده للمسرح، خاصة مسارح شارع عماد الدين، وعلى رأسها تجربة نجيب الريحاني، كما وجد في مكتبة جده الثرية نافذة واسعة على القراءة والمعرفة.
التحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، وتخصص في اللغة الإنجليزية، وتخرج عام 1942، وخلال تلك الفترة انفتح على الأدب العالمي، وتأثر بأعمال كبار الكتاب مثل ويليام شكسبير وجورج برنارد شو وهنريك إبسن وأنطون تشيخوف، وهو ما انعكس بوضوح على مشروعه المسرحي لاحقًا.
نعمان عاشور.. بين السياسة والكتابة
ارتبطت تجربة نعمان عاشور بالحراك السياسي والفكري في مصر خلال أربعينيات القرن الماضي، حيث انخرط في الحركات اليسارية، وكان من أنصار الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني، وشارك في النضال ضد الاحتلال والظلم الاجتماعي، ما أدى إلى اعتقاله أكثر من مرة، وقد انعكست هذه الخلفية السياسية على كتاباته، التي اتسمت بوضوح الرؤية وانحيازها إلى الطبقات الوسطى والبسيطة.
مشروعه الإبداعي.. من القصة إلى المسرح
بدأ نعمان عاشور مسيرته بكتابة القصة القصيرة، وجمع أعماله في مجموعة "حواديت عم فرح"، التي كشفت مبكرًا عن انحيازه للإنسان البسيط، واهتمامه برصد تفاصيل الحياة اليومية. لكن سرعان ما وجد ضالته في المسرح، حيث لمع اسمه ككاتب واقعي، منذ مسرحيته الأولى "المغماطيس"، التي قدم فيها رؤية مختلفة للعلاقات الأسرية، وربطها بالتحولات الاجتماعية.
تميز مسرحه بتناول صراع الأجيال، والتناقضات بين القيم القديمة والحديثة، كما ابتعد عن الشكل التقليدي للمسرحية، وقدم بناءً دراميًا يقوم على تعدد الشخصيات وتوزيع البطولة، في محاولة لتقديم صورة بانورامية للمجتمع.
مسرح نعمان عاشور.. كوميديا ساخرة بروح مصرية
ينتمي مسرح نعمان عاشور إلى الكوميديا الانتقادية الساخرة، حيث نجح في توظيف الكوميديا الشعبية كأداة لكشف عيوب المجتمع، متأثرًا بروح الريحاني، وفي الوقت نفسه بالأدب الغربي الذي درسه وتأمل أعماله، وقد استطاع أن يمزج بين الكوميديا والتراجيديا والسخرية اللاذعة، مقدمًا أعمالًا تحمل طابعًا إنسانيًا عميقًا.
ومن أبرز أعماله المسرحية: "الناس اللي تحت"، "الناس اللي فوق"، "عيلة الدوغري"، "وابور الطحين"، و"بلاد بره"، وهي أعمال جسدت تحولات المجتمع المصري، وعكست قضاياه بجرأة وصدق.
إلى جانب المسرح، ترك نعمان عاشور عددًا من المجموعات القصصية، كما عمل في الصحافة، حيث شغل مواقع تحريرية في جريدتي "الجمهورية" و"أخبار اليوم"، كما حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الآداب عام 1968، وكان عضوًا في لجان القصة والمسرح بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب.

















0 تعليق