المولد النبوى الشريف.. فرح القلوب بنور المصطفى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الحمد لله الذى أشرق من مشكاة رحمته نور سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، فبدّد به ظلمات الجاهلية، وأحيا به موات القلوب، وجعل بعثته رحمة للعالمين ومنّة على المؤمنين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

إن فى أيام الدهر أيامًا لا ينبغى للقلوب أن تدعها تمضى كسائر الأيام، فإن بعض الأيام صفحات من كتاب النعمة، إذا طواها النسيان جفّت منابع الشكر فى النفوس. ومن أجّل تلك الأيام يومًا أطلّ فيه على الدنيا سيد الأنبياء ورحمة الله المهداة سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم.

وما كان مولده مولد رجل من الرجال، ولكنه كان مطلع فجر على الإنسانية، وبداية عهد أخرج الله به الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور التوحيد والهداية. ولذلك قال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. فإذا كانت بعثته منّة، وكانت رسالته رحمة، فأى عجب أن تفرح القلوب بذكرى مولده؟

وقد قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾؛ فالإسلام لا يحرّم الفرح، وإنما يهذبه ويوجهه إلى الخير. ومن أعظم فضل الله على هذه الأمة أن بعث فيها سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أعظم رحمته أن أرسل إليها هذا النبى الكريم.

وقد كان سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يذكر يوم مولده، فلما سُئل عن صيام يوم الإثنين قال: «ذاك يوم وُلدت فيه». ففى ذلك معنى جليل، وهو أن تذكر يوم مولده يمكن أن يكون بابًا من أبواب شكر الله على هذه النعمة. وليس المقصود أن نجعل صورة معينة من الاحتفال عبادة مفروضة، وإنما أن نجتمع على ما هو مشروع فى نفسه: القرآن، والصلاة على النبى، وذكر سيرته وشمائله، والصدقة وإطعام الطعام وإدخال السرور.

فالمولد ليس تاريخًا يُقرأ فحسب، وإنما محبة تُسقى، وسيرة تُستعاد، وعهد يُجدد.
إن فى القلب نبتة اسمها المحبة؛ قد يغمرها غبار الأيام، وتشغلها الدنيا، ويطول عليها الجفاف، ولكنها لا تموت ما دام فى القلب إيمان. ومجالس المولد ماء تلك النبتة؛ تُسقى بالصلاة على النبى وآله الطاهرين وبذكر أخلاقه وسيرته، وبالحديث عن رحمته وعدله وعفوه، حتى يظل سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، حيًا فى الوجدان، لا اسمًا محفوظًا فى الكتب.

ومن هنا كان الاحتفال بالمولد، إذا خلا من المحرمات والإسراف والباطل، صورة من صور إظهار الفرح والمحبة، لا عبادة مستقلة ذات هيئة مفروضة. فالناس يفرحون بنجاح أبنائهم، وبالشفاء، وبعودة الغائب، وبالنصر بعد الهزيمة؛ فإذا كان الإسلام لا يمنع الفرح بهذه النعم، فكيف يُستنكر الفرح بأعظم نعمة دينية عرفتها البشرية؟ وإذا كانت الأمة تحفظ أيام نصرها ونجاتها، أفلا يليق بها أن تستحضر اليوم الذى كان ابتداء هدايتها وعزتها؟

ولا ينبغى أن يجعل الخلاف فى المولد سببًا للتباغض بين المسلمين. فقد ذهب فريق من المنكرين إلى منعه وعدّه من المحدثات، بينما ذهب علماء ثقات إلى استحبابه إذا كان قائمًا على الذكر والقرآن والصلاة على النبى والصدقة وسائر أعمال البر. والخلاف فى الوسائل لا ينبغى أن يفسد أصل المحبة، ولا أن يجعل المسلم يُلام على فرحه بنبيه ما دام ملتزمًا حدود الشرع.

وليس غريبًا أن تعبّر الأمة عن محبتها للنبى بالشعر؛ فقد مدحه حسان وكعب بن زهير، ثم توالت أجيال المسلمين فى نسج قلائد المديح، حتى قال البوصيرى:
محمدٌ سيدُ الكونينِ والثقلينِ
والفريقينِ من عُربٍ ومن عجمِ

وما الشعر فى مدح النبى، صلى الله عليه وآله وسلم، إلا لسان قلب ضاق عن حمل المحبة، فاستعان بالقافية والدمعة.

وفى مدرسة أهل البيت عليهم السلام يتأكد معنى المحبة والولاء، وقد رُوى عن الإمام الباقر عليه السلام: «وهل الدين إلا الحب». فالدين معرفة ومحبة واتباع، ومن أحب رسول الله أحب آله، ومن صدق فى محبته جعل من سيرته منهاجًا لحياته.

فيا من يفرح بمولد النبى، لا تجعل فرحك زينة على الجدران فقط، بل اجعله زينة فى القلب. وإذا أضأت المصابيح فأضئ سريرتك، وإذا رفعت صوتك بالصلاة عليه فارفع أخلاقك إلى أخلاقه، وإذا سمعت سيرته فاسأل نفسك: ماذا بقى من سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، فى معاملتى، وفى بيتى، وفى رحمتى بالضعيف، وفى صدقى وأمانتى؟

فليس أعظم الاحتفال أن تمتلئ الساحات بالأصوات، وإنما أن تمتلئ القلوب بسيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، وليس أعظم المولد أن تنقضى ليلته بالمدائح، وإنما أن يولد بعده فينا خلق نبوى جديد: رحمة بعد قسوة، وصدق بعد كذب، وعفو بعد خصومة، وطاعة بعد غفلة.

أما العبارة المشهورة: «من فرح بنا فرحنا به»، فمعناها فى التعبير عن الفرح والمحبة معنى حسن، يؤيده ما ثبت عنه، صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
فصلّى الله عليك يا سيدى رسول الله، يوم ولدت، ويوم أشرقت بك الدنيا، ويوم بعثك الله رحمة للعالمين. اللهم اجعل محبتنا لسيدنا محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، نورًا فى القلوب، وخلقًا فى الحياة، واتباعًا فى السلوك. فإن كانت فى القلب نبتة اسمها محمد، فلا تتركوها للعطش؛ اسقوها بالصلاة عليه، وبقراءة سيرته، وبحب آله ومودتهم، وبالرحمة التى جاء بها، وبالأخلاق التى دعا إليها. وإذا جاء يوم مولده فافرحوا، ولكن اجعلوا فرحكم شكرًا، وذكركم عهدًا، واحتفالكم طريقًا إلى الاقتداء.

فذلك هو المولد الذى لا ينتهى بانتهاء يومه؛ لأن المولد الحقيقى أن يبقى سيدنا محمد، صلى الله عليه وآله، حيًا فى القلب، حاضرًا فى الخُلُق، ناطقًا فى العمل.

فيه عمه العباس رضى الله عنه:
من قبلها طبت فى الظلال وفى.. مستودع حيث يخصف الورق   
ثم هبطت البلاد لا بشر.. أنت ولا مضغة ولا علق   
بل نطفة تركب السفين وقد.. ألجم نسرا وأهله الغرق 
وردت نار الخليل مكتتما.. تتجول فيها وليس تحترق 
تنقل من صالب إلى رحم.. إذا مضى عالم بدا طبق  
حتى احتوى بيتك المهيمن من.. خندف علياء تحتها نطق  
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض.. وضاءت بنورك الأفق  
ونحن فى ذلك الضياء وفى.. النور وسبل الرشاد نخترق

اللهم صل على سيدنا محمد وآل سيدنا فى الأولين والآخرين وفى الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق