الجمعة 21/أغسطس/2026 - 11:21 ص 8/21/2026 11:21:01 AM
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تقتصر على الصواريخ والطائرات والتهديدات العسكرية، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى ساحة الاقتصاد، بعدما أعلن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ما وصفه بـ«الحرب الاقتصادية» على طهران، متوعدًا بفرض أشد العقوبات فى تاريخ الولايات المتحدة، ليس على إيران وحدها، وإنما أيضًا على الدول والشركات التى تواصل التعامل معها. وقد أعلن وزير الخزانة الأمريكى أن واشنطن تتجه إلى تطبيق «أقسى العقوبات فى التاريخ» على إيران، فى محاولة لخنق مواردها المالية ودفعها إلى تقديم تنازلات فى ملفات الحرب والبرنامج النووى والملاحة فى مضيق هرمز.
وتراهن إدارة ترامب على أن الضغط الاقتصادى المكثف يمكن أن يحقق ما لم تستطع القوة العسكرية تحقيقه، أى إجبار القيادة الإيرانية على تغيير حساباتها، أو الدخول فى مفاوضات بشروط أمريكية، أو الوصول فى النهاية إلى تغيير النظام من الداخل. وتستند هذه الرؤية إلى حقيقة أن الاقتصاد الإيرانى يعانى بالفعل من التضخم وانخفاض قيمة العملة وتراجع الاستثمارات والقيود على التجارة والنظام المصرفى، إضافة إلى التداعيات الهائلة للحرب المستمرة منذ أشهر.
لكن السؤال الأصعب هو: هل تستطيع العقوبات إسقاط النظام الإيرانى؟ التجربة التاريخية تشير إلى أن العقوبات تستطيع إضعاف الدولة وإلحاق أضرار جسيمة باقتصادها، لكنها لا تؤدى بالضرورة إلى تغيير النظام أو سلوكه السياسى. فمنذ عقود تتعرض إيران لعقوبات أمريكية وأوروبية، ومع ذلك استطاعت تطوير شبكات للالتفاف عليها، وتنويع علاقاتها التجارية، والاعتماد على الصين وروسيا وشبكات مالية وتجارية غير رسمية. وتشير دراسة حديثة لمشروع إيران 2040 فى جامعة ستانفورد إلى أن صادرات إيران النفطية وغير النفطية عادت إلى الارتفاع منذ عام 2021، وتجاوزت مستويات فترة الاتفاق النووى بحلول عام 2024، رغم استمرار العقوبات الأمريكية.
غير أن الوضع الحالى أكثر خطورة؛ فالعقوبات الجديدة تأتى فى ظل حرب واضطراب فى حركة الملاحة بمضيق هرمز، وهو ما يجعل الضغط الاقتصادى متبادلًا. فقد أدت الأزمة إلى اضطراب إمدادات الطاقة وارتفاع أسعار النفط، بينما تجاوز سعر خام برنت 93 دولارًا للبرميل فى 20 أغسطس، وسط مخاوف من استمرار تعطل الإمدادات. كما أدى الصراع إلى أزمة فى أسواق المنتجات النفطية، مع ارتفاع أسعار الديزل فى أوروبا والبنزين فى الولايات المتحدة بصورة كبيرة منذ بداية الحرب.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى فى استراتيجية ترامب: واشنطن تريد خنق الاقتصاد الإيرانى، لكن الضغط على صادرات النفط الإيرانية وتهديد الدول التى تتعامل مع طهران يمكن أن يؤدى فى الوقت نفسه إلى ارتفاع أسعار النفط عالميًا، وزيادة تكاليف النقل والطاقة والتصنيع، وبالتالى تغذية التضخم فى الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. ولذلك فإن الحرب الاقتصادية على إيران ليست معركة بلا تكلفة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمى، خصوصًا إذا طال أمد إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة فى العالم.
أما بالنسبة إلى قدرة إيران على الصمود، فإن طهران تمتلك بعض عناصر القوة التى تجعل انهيار اقتصادها بصورة سريعة أمرًا غير مرجح. فقد بنت خلال سنوات العقوبات اقتصادًا قادرًا على العمل فى ظروف العزلة، وطورت قنوات بديلة لبيع النفط وتحويل الأموال، كما تستطيع الاعتماد على الصين فى جزء مهم من تجارتها. لكن ذلك لا يعنى أن الاقتصاد الإيرانى محصن؛ فكلما اتسعت العقوبات لتشمل الوسطاء والبنوك والشركات والنقل البحرى، ارتفعت تكلفة الالتفاف عليها، وانعكس ذلك على الأسعار والعملة ومستوى معيشة المواطنين. وتظهر تقارير حديثة أن إيران تتجه بالفعل إلى ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد البقاء»، من خلال ترشيد الإنفاق، والحد من الوصول إلى العملات الأجنبية، وتوسيع برامج الدعم، والاعتماد على شبكات الالتفاف على العقوبات.
والسيناريوهات الإيرانية أمام هذا الضغط تبدو متعددة. أولها مواصلة سياسة الصمود وعدم تقديم تنازلات، مع محاولة تعويض خسائر النفط من خلال الصين وشركاء آخرين، وتوسيع التجارة غير الرسمية. وثانيها استخدام ورقة مضيق هرمز للضغط على الولايات المتحدة والدول الغربية، بحيث تصبح تكلفة استمرار العقوبات مرتفعة على الجميع. وثالثها العودة إلى التفاوض، ولكن من موقع مختلف، بحيث تطالب طهران برفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة والحصول على ضمانات قبل تقديم أى تنازلات. أما السيناريو الأخطر فهو استمرار التصعيد الاقتصادى والعسكرى بالتوازى، بما يهدد بتحويل الأزمة الإيرانية إلى أزمة طاقة عالمية طويلة الأمد.
ويبقى موقف القوى الكبرى عاملًا حاسمًا فى تحديد نجاح الاستراتيجية الأمريكية. فمن الصعب تحقيق حصار اقتصادى كامل على إيران من دون تعاون الصين، باعتبارها أحد أهم المشترين للنفط الإيرانى. وقد حذرت واشنطن بالفعل من إمكانية فرض عقوبات على المصافى الصينية المستقلة والبنوك التى تتعامل مع إيران، لكن توسيع العقوبات إلى مؤسسات صينية كبيرة يحمل مخاطر فتح مواجهة اقتصادية أوسع بين واشنطن وبكين.
أما روسيا، فمن غير المرجح أن تنضم بسهولة إلى حملة أمريكية تستهدف إيران، خصوصًا فى ظل علاقاتها الاستراتيجية بطهران ومواجهتها هى الأخرى منظومة واسعة من العقوبات الغربية. وبالنسبة إلى أوروبا، فإن موقفها أكثر تعقيدًا؛ فهى قد تشارك فى بعض العقوبات أو الإجراءات المتعلقة بالبرنامج النووى والأمن الإقليمى، لكنها فى الوقت نفسه تخشى تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة واتساع الحرب.
ومن ثم، فإن العقوبات قد تجعل الاقتصاد الإيرانى أكثر ضعفًا، لكنها لا تضمن إسقاط النظام ولا تغيير سلوكه تلقائيًا. بل إن الضغط المفرط قد يؤدى أحيانًا إلى نتيجة عكسية، إذ يدفع القيادة الإيرانية إلى التشدد، ويقوى التيارات التى ترى أن التفاوض مع واشنطن لا يؤدى إلا إلى مزيد من المطالب الأمريكية. ولهذا فإن المعركة الحالية تبدو أقرب إلى اختبار طويل لقدرة كل طرف على تحمل الألم، وليس ضربة اقتصادية سريعة تحسم الصراع.
وفى النهاية، فإن نجاح ترامب لن يتوقف فقط على حجم العقوبات، وإنما على قدرته على بناء تحالف دولى حقيقى لتنفيذها، وعلى مدى استعداد الصين وروسيا والدول الأخرى لتحمل تكلفة مواجهة واشنطن بسبب إيران. أما طهران، فسوف تحاول على الأرجح شراء الوقت، وتوزيع كلفة العقوبات، واستخدام أوراقها الجيوسياسية، خصوصًا النفط ومضيق هرمز، إلى جانب إبقاء باب التفاوض مفتوحًا عندما ترى أن التسوية قد تكون أقل كلفة من استمرار المواجهة. ولذلك قد لا تكون النتيجة سقوط النظام الإيرانى، وإنما ظهور إيران أكثر إنهاكًا اقتصاديًا، وأكثر اعتمادًا على شركائها الآسيويين، وأكثر تشددًا فى حساباتها الأمنية، بينما يدفع الاقتصاد العالمى ثمنًا متزايدًا كلما طال أمد هذه الحرب الاقتصادية
















0 تعليق