تحت قبة القديس بولس: عندما تتجسد المأساة الإنسانية في صدى قداس الموت

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأربعاء 19/أغسطس/2026 - 11:27 م 8/19/2026 11:27:30 PM

زلازل
زلازل

شهد «قداس الموت» لـ «فيردي» ذُرواتٍ وانفجاراتٍ موسيقية كان بمقدور أجهزة قياس الزلازل رصدها بلا شك؛ إذ تجمعت في زئير جارف كقوى الطبيعة، قبل أن تتلاشى على شكل تشنجات متتابعة من الأصداء المترددة في أرجاء القبة الهائلة فوق الرؤوس. كما كانت هناك حفيفات وهمسات كورالية جرفت الأوركسترا، وابتهالات ودعوات صاغتها مخارج حروف حادة ومتقنة. وفي خضم ذلك الضجيج، انسابت خطوط التعبيرات الخشبية الملتوية لتشق طريقها بخفة من بين صخب الأوركسترا في ثوانٍ معدودة، جنبًا إلى جنب مع المغنين المنفردين (الصولويست)  ناتاليا رومانيو، ونتالي لويس، ورينيه باربيرا، وجونغمين بارك  الذين اخترقوا ذلك الصخب فورًا بتعبيرية صوتية جارفة ومباشرة من مقدمة المسرح، وفق الجارديان البريطانية.

أوركسترا الحرية الأوكراني يخوض جولة الأمل في أصعب لحظات التاريخ

بعد أربعة أعوام من انطلاقته الأولى في المملكة المتحدة عبر العرض الثاني له على الإطلاق، يخوض «أوركسترا الحرية الأوكراني» (UFO) جولته الصيفية الدولية الخامس. فالأوركسترا الذي أسسته المايسترو الكندية-الأوكرانية «كيري-لين ويلسون» ردًا على الغزو الروسي في فبراير 2022، يحمل دومًا رسالة أسمى وأهم من مجرد تقديم عرض موسيقي جيد؛ إذ إن معايير ما يُعد «جيدًا» تظل رهينة بالظروف والمحيط بطبيعة الحال. وكما شددت الكلمات والخطابات المتعددة التي سبقت انطلاق الموسيقى، فإن الأوركسترا يجوب العالم بوصفه «سفيرًا ثقافيًا»، متمركزًا في عمله حول قيم الأمل والصمود والتضامن والعدالة، في وقت وصفه أحد الدبلوماسيين الأوكرانيين بأنه «ربما اللحظة الأكثر صعوبة وقسوة في تاريخنا الحديث». وفي حين يرابط أحد عازفي الإيقاع في الأوركسترا بعيدًا على خطوط المواجهة والقتال الأمامية، يتواجد هناك أيضًا نجل المؤلفة الموسيقية «بوهدانا فرولياك»، التي استُهل الحفل بقطعتها الموسيقية «ترنيمة المجد» (Gloria)، والتي جاءت ألوانها النغمية المشوبة بالحزن مثقلةً بالألم والأسى

أوركسترا الحرية الأوكراني ينتزع عواطف الحضور بالنشيد الوطني

ولم يكن مستغربًا، في هذا السياق الاستثنائي، أنه وبمجرد أن تلاشت النغمات الأخيرة من «قداس الموت» لـ «فيردي»، حظي الأوركسترا بوقوف وحفاوة جماهيرية بالغة وفورية (Standing Ovation). وقامت المايسترو «ويلسون» بتكريم وتوجيه التحية لأعضاء الأوركسترا بوصفهم «أبطال أوكرانيا الفنيين»، قبل أن تنطلق في تقديم عزف مؤثر للنشيد الوطني الأوكراني. إن حقيقة أن الإيقاع السريع والسرعات الخاطفة التي اعتمدتها «ويلسون» في حركات معينة من القداس قد أدت إلى تشوش واضطراب فوري في جودة الصوت وتشابك المعزوفات داخل البيئة الصوتية الصعبة للغاية لكاتدرائية القديس بولس، وأن رنين الآلات الوترية كان أقل صقلًا وبهاءً مما ينبغي، وأن العديد من تفاصيل «فيردي» الدقيقة قد ضاعت في خضم هذا الصخب  كل ذلك لم يقلل في النهاية من الكثافة والوهج الأبيض المتقد للأداء؛ إذ مالت «ويلسون» بكامل جسدها نحو العازفين، بتركيز يبدو مطلقًا وشاملًا، ليعلو صوتهم ويطغى على كل ما عداه.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق