الأحد 16/أغسطس/2026 - 10:05 م 8/16/2026 10:05:27 PM
لم تأت مصر فى مقدمة جولة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكى دونالد ترمب، إلى المنطقة مصادفة، ولم تكن القاهرة مجرد محطة لبحث تطورات الحرب فى غزة، اختيار مصر لتكون المحطة الأولى يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن أى محاولة أمريكية لإنقاذ خريطة طريق غزة، والانتقال بها من وقف الحرب إلى ترتيبات ما بعد الصراع، لا يمكن أن تتجاوز القاهرة.
وفى الوقت الذى تحدثت فيه تقارير إعلامية قبل الزيارة عن أن إسرائيل ستكون المحطة الأولى لكوشنر، جاء مسار الجولة ليؤكد أن مصر كانت البداية، وهذه البداية تكتسب أهمية خاصة فى ظل تحرك متزامن تقوده القاهرة وواشنطن لتثبيت اتفاق وقف الحرب، وفتح الطريق أمام تنفيذ خطة ترمب بشأن القطاع، وسط خلافات لا تزال تهدد المرحلة التالية، من نزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيل، إلى تشكيل قوة الاستقرار الدولية وإدارة غزة وإدخال المساعدات وإطلاق عملية إعادة الإعمار.
من هنا، تبدو زيارة كوشنر إلى القاهرة أقرب إلى تحرك سياسى لإنقاذ مسار كامل، وليس مجرد جولة دبلوماسية جديدة، واشنطن تحتاج إلى الدور المصرى فى التواصل مع حماس، وإسرائيل تحتاج إلى ترتيبات أمنية واضحة، بينما يتطلب تنفيذ الخطة الأمريكية توافقًا إقليميًا لا يمكن أن يكتمل من دون مصر.
وفى مدينة العلمين، التقى كوشنر الرئيس عبدالفتاح السيسى، بالتزامن مع لقاء وفد حركة حماس برئاسة خليل الحية مع رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، وبين اللقاءين تتشكل صورة المشهد، واشنطن تتحرك، وحماس تتفاوض، وإسرائيل تضع شروطها، بينما تحاول القاهرة الإمساك بخيوط المسار كله لمنع انهياره.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الجولة، هل يستطيع كوشنر، بدعم الدور المصرى، تحويل خطة ترمب من إطار سياسى إلى خطوات قابلة للتنفيذ، أم أن الخلافات حول مستقبل غزة ستعيد «خريطة الطريق» إلى مربع الأزمة من جديد؟
ومن مدينة العلمين، أجرى الرئيس عبدالفتاح السيسى مباحثات مع جاريد كوشنر، بحضور الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية والتعاون الدولى والمصريين بالخارج، واللواء حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة.
وجاء اللقاء فى توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تحركات مكثفة لتثبيت اتفاق وقف الحرب فى غزة ووضع الترتيبات اللازمة لتنفيذ المرحلة التالية منه.
وبحسب المتحدث الرسمى باسم رئاسة الجمهورية، نقل كوشنر إلى الرئيس السيسى تحيات الرئيس الأمريكى دونالد ترمب، فيما تناولت المباحثات تطورات الشرق الأوسط وسبل التعامل مع التحديات المشتركة، مع تأكيد أهمية دعم الأمن والاستقرار إقليميًا ودوليًا.
وفى هذا السياق، شدد الرئيس السيسى على ضرورة تسوية الأزمات التى تشهدها المنطقة والحفاظ على الاستقرار الإقليمى، مع التركيز على القضية الفلسطينية، وضرورة التزام جميع الأطراف بتنفيذ تعهداتها بموجب اتفاق وقف الحرب فى قطاع غزة، الذى تم التوصل إليه خلال قمة شرم الشيخ للسلام فى أكتوبر 2025.
وفى المقابل، عكس حديث كوشنر تقديرًا واضحًا للدور المصرى، إذ ثمن مستوى التنسيق بين القاهرة وواشنطن، وأشاد بالجهود المصرية والرئاسية فى الملفات الإقليمية، مؤكدًا أن مصر شريك محورى للولايات المتحدة فى الشرق الأوسط.
ولم تأت زيارة كوشنر إلى مصر بمعزل عن الاتصالات المصرية مع حركة حماس، فى مدينة العلمين أيضًا، التقى وفد الحركة، برئاسة خليل الحية، رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، لبحث سبل الدفع باتجاه تنفيذ اتفاق غزة.
ويكشف تزامن المسارين الأمريكى والمصرى عن محاولة واضحة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية، فى وقت تتركز فيه المفاوضات على الانتقال من مرحلة تثبيت وقف الحرب إلى ترتيبات ما بعد وقف القتال.
وبحسب مصادر، يبحث كوشنر مع وفد حماس عددًا من الملفات المرتبطة بتنفيذ خطة ترمب، وفى مقدمتها تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، إلى جانب تسهيل تولى اللجنة الوطنية لإدارة القطاع مسئولياتها.
وتشير المعطيات إلى أن الهدف من هذه اللقاءات هو تنفيذ الخطة الأمريكية وليس إعادة التفاوض عليها، مع محاولة معالجة العقبات التى قد تحول دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
وتأتى هذه التحركات فى ظل غياب المبعوث الأمريكى ستيف ويتكوف عن المشهد، بينما يشارك نيكولاى ملادينوف، المنسق الخاص لعملية السلام فى الشرق الأوسط، إلى جانب ممثلين عن مصر وتركيا وقطر.
ويأتى حضور ملادينوف فى وقت تتزايد فيه الضغوط بشأن ترتيبات إدارة قطاع غزة ومستقبله السياسى والأمنى، خصوصًا بعد رفض رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو خطة من 15 نقطة طرحها ملادينوف، تضمنت ترتيبات بشأن تسليم حركة حماس سلاحها إلى لجنة فلسطينية جديدة تتولى إدارة القطاع.
وهنا تتضح إحدى أعقد حلقات المسار الحالى، فبينما تسعى واشنطن إلى دفع الخطة نحو التنفيذ، لا تزال بعض بنودها تصطدم بحسابات إسرائيلية وفلسطينية متباينة، ما يجعل مهمة الوسطاء أكثر تعقيدًا.
وتعتبر الإدارة الأمريكية اتفاق غزة نقطة انطلاق لتطبيق خطة الرئيس دونالد ترمب، التى اكتسبت بعدًا دوليًا بعد صدورها فى إطار قرار من مجلس الأمن الدولى.
وتستند الخطة إلى مسارين أساسيين، نزع السلاح من قطاع غزة، ونقل إدارة القطاع إلى لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين، بما يمهد لبدء عملية إعادة الإعمار.
لكن هذه الأهداف تظل مرتبطة بسلسلة من الملفات الشائكة، تبدأ بالانسحاب الإسرائيلى وترتيبات الأمن، ولا تنتهى عند مسألة السلاح وإدارة القطاع وإدخال المساعدات وقوة الاستقرار الدولية.
لذلك، فإن التحدى الحقيقى أمام التحرك الأمريكى لا يكمن فى الإعلان عن الخطة، وإنما فى توفير الضمانات والآليات التى تسمح بتنفيذها على الأرض دون العودة إلى دائرة الحرب.
فى هذا السياق، تبدو دلالة اختيار القاهرة كمحطة أولى أكثر وضوحًا، مصر لا تؤدى دور الوسيط فقط، وإنما تمثل حلقة اتصال أساسية فى أى ترتيبات تتعلق بقطاع غزة، بحكم موقعها الجغرافى، واتصالاتها المستمرة مع الأطراف المختلفة.
ومن ثم، فإن بدء كوشنر جولته من مصر يعكس إدراكًا أمريكيًا أن تنفيذ أى اتفاق مستدام بشأن غزة يحتاج إلى تنسيق وثيق مع القاهرة، خصوصًا فى الملفات الأمنية والإنسانية والسياسية.
كما أن اجتماع السيسى بكوشنر بالتزامن مع لقاء وفد حماس بالقيادة المصرية فى العلمين يمنح القاهرة مساحة واسعة لتنسيق الرسائل بين واشنطن والحركة، فى وقت تحتاج فيه الخطة الأمريكية إلى طرف قادر على تقريب المواقف وتذليل العقبات.
المهمة التى يحملها كوشنر تبدو أكبر من مجرد متابعة تنفيذ اتفاق لوقف الحرب، هى محاولة للحفاظ على مسار سياسى كامل يهدف فى نهايته إلى إعادة ترتيب المشهد فى قطاع غزة، الخلافات حول السلاح، والانسحاب الإسرائيلى، وإدارة القطاع، وقوة الاستقرار، وإعادة الإعمار، يمكن أن تعيد المسار بأكمله إلى نقطة الصفر إذا لم تتم معالجتها ضمن تفاهمات واضحة وملزمة.
ولهذا، فإن الجولة الأمريكية تكتسب أهميتها من توقيتها ومن طبيعة الملفات التى تبحثها، لكن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرة واشنطن على الجمع بين المواقف المتعارضة، وبمدى استعداد الأطراف للانتقال من التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية ملموسة.
وفى قلب هذه المعادلة تقف مصر، التى لم تكن مجرد محطة افتتاحية لجولة كوشنر، بل بدت من خلال لقاءاته واتصالاتها المتزامنة مع مختلف الأطراف شريكًا رئيسيًا فى محاولة إبقاء مسار غزة على قيد الحياة.
وبالتالى، فإن السؤال لم يعد فقط ما إذا كان كوشنر سينجح فى دفع خطة ترمب إلى الأمام، وإنما ما إذا كان التحرك الأمريكى المصرى المشترك سيتمكن من سد الفجوة بين الاتفاقات السياسية والواقع على الأرض، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تنهى الحرب، وتؤسس لإدارة مستقرة للقطاع، وتطلق عملية إعادة إعمار غزة.












0 تعليق