لم تعد معركة التنظيمات الإرهابية المتطرفة تعتمد فقط على امتلاك هياكل تنظيمية أو القدرة على الحشد المباشر، وإنما انتقلت إلى ساحة أكثر تعقيدًا تتمثل في التأثير على الوعي وصناعة التصورات ومحاولة إعادة تقديم الأفكار القديمة بأدوات جديدة.
وأكد عمرو فاروق، الباحث في شئون الجماعات المتطرفة، أن الوعي الشعبي يمثل أحد أهم العوامل التي تحد من قدرة التنظيمات على إعادة إنتاج خطابها، موضحًا أن السنوات الأخيرة شهدت تغيرًا في وعي قطاعات من المجتمع تجاه مفهوم الدولة الوطنية، وهو ما جعل محاولات ضرب الثقة في الدولة أقل قدرة على تحقيق أهدافها مقارنة بفترات سابقة.
وأضاف أن مفهوم الدولة الوطنية أصبح أكثر ارتباطًا لدى قطاعات من المجتمع بحماية الإنسان وأمنه وممتلكاته واستقرار حياته، موضحًا أن «الوطن أو الدولة الوطنية أصبحت جزءًا من مقاصد الشريعة، والحفاظ عليها هو الحفاظ على الشريعة أو تطبيقها»، بحسب رؤيته.
وأشار فاروق إلى أن هذا التحول في الوعي يضعف قدرة الخطاب المتطرف على استغلال المفاهيم الدينية لتقديم الدولة باعتبارها خصمًا، مؤكدًا أن المواطن عندما يدرك العلاقة بين استقرار الدولة وحماية المجتمع، يصبح أكثر قدرة على كشف الخطاب الذي يستهدف هدم الثقة في مؤسساتها.
وحذر من أن الجماعة قد لا تكون بحاجة إلى الظهور في المشهد بصورة مباشرة، لأنها تدرك أن الظهور الصريح قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويزيد من حالة الرفض الشعبي لها، قائلًا إن «المواجهة بتخسرني كتير»، ولذلك أصبحت الأدوات غير المباشرة أكثر أهمية في استراتيجيتها.
ولفت إلى أن التركيز على الجيل الجديد يمثل جزءًا أساسيًا من هذه الاستراتيجية، إذ تحاول الجماعة استثمار حالات الغضب المرتبطة بالأوضاع الاقتصادية أو البطالة أو الشعور بعدم الرضا، وتقديم خطاب يوحي بأنها تمثل هذه الفئات، وهو ما يستدعي ـ بحسب فاروق ـ ضرورة رفع الوعي لدى الشباب وعدم ترك مساحات الغضب فريسة للخطابات المتطرفة.
وأكد أن سقوط التنظيمات لا يرتبط فقط بانهيار هياكلها التنظيمية، وإنما أيضًا بفقدان قدرتها على إقناع المجتمع بصحة خطابها، موضحًا أن انكشاف أهدافها وأساليبها يجعل الأدوات التي تعتمد عليها في استقطاب المواطنين أقل تأثيرًا، ويحوّل ما كان يُقدم باعتباره «معارضة» أو «حراكًا شعبيًا» إلى خطاب مكشوف أمام الرأي العام.
وشدد على أن المعركة الحقيقية في مواجهة التنظيمات المتطرفة لم تعد فقط مع الهياكل التنظيمية التقليدية، وإنما مع الأفكار التي تحاول إعادة إنتاج نفسها بأدوات جديدة، مشددًا على أن الحقيقة ورفع مستوى الوعي وكشف الشائعات وأهداف خطاب الكراهية وفقدان الثقة تمثل عوامل رئيسية في تجفيف البيئة التي يمكن أن تستعيد من خلالها هذه التنظيمات تأثيرها داخل المجتمع.













0 تعليق