السبت 23/مايو/2026 - 08:58 م 5/23/2026 8:58:28 PM
إذا كانت الشرعية الدستورية قد اقتضت، فى جزء من المادة (١٠١) على أن «يتولى مجلس النواب سلطة التشريع..»، فإن هذه الشرعية أيضاً قد اقتضت، فى جزء من المادة (٧) على أن «الأزهر الشريف هو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلام ية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم...»، وأيضاً نختتم الباب الثانى لهذه الشرعية، فى المقومات الأساسية للمجتمع، وهى المقومات الاجتماعية، حيث نصت المادة (١٠) على أن «الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها وترسيخ قيمها»، وهذه أجزاء من القانون الوضعى على النحو المبين عليها فى الدستور، الذى يعتبر هو القانون الأعلى والأسمى المهيمن على كافة أنشطة سلطات الدولة، وأن ظروف الحياة الإجتماعية التى نعيشها فى هذا العصر، متغيرة ومتجددة فى تلاحق وتطور مستمر، ما يستلزم مواجهة هذا التلاحق المتواصل، تعديل مواد قانونية قائمة، أو استحداث نصوص تشريعية جديدة، وهذه المتغيرات والضرورات، قد تستوجب تشريعاً قانونياً جديداً يعالج مثالب القانون القائم، ويواكب التطور المتغير للحياة الإنسانية، مع حرص المشرع وشرط إلزام عليه، ألا يكون هذا القانون مخالفاً للدستور، أو يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلام ية، التى هى المصدر الرئيسى للتشريع.
وفى طور ما يتصل بطبيعة الحياة الاجتماعية، ومناوبتها المتغيرة فى أحوال الأسرة المصرية، قضت هذه الأحوال عليها، بأن تتقدم الحكومة إلى مجلس النواب، بنص مشروع تنقيح «قانون الأحوال الشخصية» الحالى، تحت مسمى مستحدث له «قانون الأسرة الجديد»، وقبل أن يصبح هذا التشريع فتحاً جديداً، يفيد فى إصلاح حال الأسرة والمجتمع، ويعم به النفع العام للوطن والأمة، فقد أثار جدلاً كبيراً فى مهده، بخصوص بعض مواده، بين فقهاء الدين الإسلام ى، والرأى العام الشعبى والأخير معبراً بآرائه، بطريق الرقابة الشعبية الرقمية الأوسع انتشاراً، على مواقع التواصل الاجتماعى «الفيسبوك»، ومن ضمن هذه المواد فى مهد هذا المشروع، نص المادة التى تتعلق بعقد الزواج، حيث أن الزوجة هى التى تملك حق فسخه على الزوج، ويكون الطلاق بمشيئتها خلال مدة لا تتجاوز ٦ أشهر من تاريخ كتابة العقد، شرط إلا تكون قد حملت أوأنجبت منه، ويكون إقرار الفسخ قضائياً أمام محكمة الموضوع،إذا ثبت مخادعة الزوج لزوجته فى عيب خفى أو مستتر ناتج عن غش وتدليس، أو بالتضليل عندما يصرح الزوج على أنه يتبوأ مكاناً قيادياً علياً، أو مركزاً علمياً مرموقاً، وظهر الواقع خلاف ذلك، بعد أن إستظهر هذا الخداع وتم كشف كذبه، وثبت أن منزلته وضيعة ودون المستوى، الذى ظهر عليه قبل كتابة العقد، ولكن هذه المادة لا يجوز القياس عليها فى تبرير فسخ العقد، لأن أيا كان مصدر الغش والتدليس، أو حتى حيل الخداع عن علو مكانته من عدمه، تستطيع أهلية الزوجة أو الزوجة نفسها كشف هذا الزيف، فى ظل تطور المدنية الحديثة للمجتمع فى شتى وسائل التواصل الذكية، فأصبح الكل قريباً من بعضه وسهل التواصل مع البعض، وكأننا نعيش فى قرية صغيرة، أى أن فى استطاعة الجميع معرفة كل شىء عن أحوال الزوج، ويستعلم عنه قبل كتابة العقد.
ثم إن مسألة الطلاق الشفهى، وعن مدى وقوعه شرعاً، أو توثيقه رسمًيا حفظاً لحقوق الزوجة، يرجع فى هذا الرأى إلى أساتذة الفقه، من علماء الدين فى الأزهر الشريف، ونفس الأمر فى تعدد الزوجية، وعن مدى إعلام الزوجة الأولى، أو إخطارها من قبل الزوج بأخرى، أو استخدام الزوجة الأولى حق الاعتراض عن تعدد هذا الزواج، وبالطبع هذا مخالف لشرعية الدين الإسلام ى الحنيف، الذى أباح التعدد فى الزوجات شرط أن يعدل الزوج بينهم،ثم أن المسائل الخاصة فى الرؤية والاستضافة، من السهل أن يجد لها المشرع حلا، من خلال نصوصاً قانونية يرتضى لها الطرفان، ولا يخل أى أحد منهما بضوابطها المنظمة لها، حتى لا يكون له تأثير نفسى وسلوك عدوانى، من واقع الألم الذى قد يحدث فى نفسية الأبناء، الذين هم أعظم فائدة وقيمة من أن تقدر بأثمن الأثمان، أما بخصوص المهر ونفقة الأبناء، فهى أمور تقديرية ترجع إلى مكانة الزوج، وما يملكه من دخل شهرى نظير عمله، أو ما يمتلكه من أموال ثابتة أو سائلة أو منقولة، وتستطيع الزوجة أن تثبتها بجميع طرق الاثبات المختلفة، أمام محكمة الموضوع وطبقاً للقواعد الموجودة فى القانون المدنى، وعن الرأى الذى يطالب باستحداث نص تشريعى، يمنح الزوجة نسبة من ممتلكات الزوج التى إكتسبها خلال الفترة الزوجية، فإذا المشرع أجاز ذلك بنص قانونى، فإن المصلحة المالية للزوج تتأثر، ويحدث له التعكير والأضرار التى لا موجب لها، على كل ما يملكه من حقوقاً للملكية، التى قد تسلب منه الزوجة، جزءاً من هذا الحق خلال فترة الزوجية، فيظهر هنا سوء استعمال الحقوق والعسف فى أخذها.
لقد كثر الكلام والجدال حول مشروع هذا القانون وأحكامه، بل إن هناك مواد كثيرة موضع خلاف، منها ما له صلة بالاحكام الشرعية فى القرآن الكريم المتصلة بطبيعة الزواج، وقد احتوى كتاب الله الكثير من الآيات، التى تنظم الحقوق والواجبات فى شعائر الزواج، أو الأضرار التى تستوجب الطلاق، ومنها الأضرار الصحية بمفهومها الضيق وليس الواسع، وإن كل ما يتعلق بالشريعة الإسلامية فى الزواج، مرده إلى«الأزهر الشريف».
أما بخصوص ما له علاقة بالرؤية والاستضافة والنفقة والمهر، وكل ما يتصل بالطبيعة الاجتماعية والإنسانية للأسرة، فالدولة هنا تدخل لما لها من سلطة تشريعية،تستطيع من خلالها التوازن فى ضبط أطر هذه الحقوق، ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة تحد من ممارستها، إن هدف الدولة من صدور هذا القانون، هو تحقيق الخير العام للأسرة واستقرار حياة المجتمع، فيجب إفساح المجال لجميع الآراء فى مناقشته من خلال حوار مجتمعى تحت رعاية «الأزهر الشريف» ومشاركة المجلس القومى للمرأة، والمجلس القومى للطفولة والأمومة وأساتذة القانون المدنى والجنائى لعلاقة هذا القانون بالأمن القومى والسلام الاجتماعى، ثم أساتذة الطب النفسى وأعضاء الجماعة الصحفية، الذين كتبوا عن مستقبل الحياة الزوجية ومعالجة النزاعات التى تواجدت فيها، من هنا يرقى الوطن، ويزداد سموّ ورفعة، وعلو مكانة عظيمة، وختاماً لمقالى هذا قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً» الآية رقم (59) من سورة النساء.


















0 تعليق