هل أنت مع مصطلح "الرواية التاريخية"؟ أم أننا يمكننا التسليم بأن كل رواية لابد أن تكون تاريخية من زاوية ما؟ فهي إما تتحدث عن حاضر أو ماضٍ أو مستقبل، هكذا يصبح التاريخ قدرًا لابد للمبدع من الالتزام به.
وإذا كان هيبوليت تين يرى أن النص يجب أن يُدرس في إطار العرق والبيئة واللحظة التاريخية، فإن النظرية الواقعية النقدية تربط المبدع بقضايا ومشاكل المجتمع والأحداث الكبرى، وهو المنحى ذاته الذي سلكه لوسيان جولدمان عندما أنشأ مصطلح "رؤية العالم" فأكد من خلاله قدرة الأديب والعمل الأدبي على التعبير عن الوعي الجمعي، وهو ما يتمثل جليًا في الرواية التي بين أيدينا؛ "تغريبة الدودوك"، للكاتبة علا عبد المنعم.

فالرواية تنتمي إلى الأدب السياسي الاجتماعي، ذي الطابع التاريخي، وتعبر عن الوعي الجمعي للمجتمع المصري والعربي تجاه الأحداث الكبرى: ثورة يوليو، نكسة يونيو، مواقف جمال عبد الناصر، حرب أكتوبر، اغتيال السادات، معاهدة السلام، والانفتاح، وغيرها من الأحداث المفصلية، وصولا لثورة يناير.
فنحن أمام رواية تتناول تاريخ الأرمن وما تعرضوا له من مذابح على يد العثمانيين، ولكن بزاوية تناول تختلف كثيرا عما قدم من روايات اهتمت بتاريخ الأرمن، فهي تربط ربطًا ذكيًا بين مذابح الأرمن، وبين كثير من الأحداث السياسية التي شهدتها مصر، بدءًا من الحرب العالمية الأولى، مرورًا بالحرب العالمية الثانية، وصولًا إلى ثورة يناير 2011. مائة عام تقريبا تدور خلالها أحداث الرواية، متمثلة في أسرة أرمينية تفر من مذابح الأرمن مع آلاف الفارين من هول ما وجدوا من المحتل العثماني، ليجدوا ملاذهم وملجأهم الذي احتواهم في مدينة بورسعيد المصرية، فينخرطوا في المجتمع المصري ويصبحوا جزءًا لا يتجزأ منه، ويصبح البطل والبطلة الفاران، آشوت وتالار، جذرًا استطاع أن ينبت في أرض مصر التي تحتوي كل شريد وتمد له يد العون، هكذا أصبح لهما امتداد عبر أربعة أجيال تالية لهما، لتشهد هذه الأجيال أحداثًا جذرية ومحورية مر بها المجتمع المصري، بل شاركوا بشكل أو بآخر في صنع هذه الأحداث. وهو ما حاولت الكاتبة أن تؤكد عليه، سواء في انطباع الأجيال المختلفة لهذه العائلة الأرمينية عن الأحداث السياسية المصرية، أو في جعل أحد هذه الفروع من العائلة الأرمينية يشارك في ثورة يناير 2011.
تبدأ الرواية، التي تحمل عنوان "تغريبة الدودوك"، بخاصية الفلاش باك أو الاسترجاع. فهي تستهل بالفصل قبل الأخير، بذلك البطل إبراهيم، والذي أرى - في رأيي- أنه البطل الأساس للرواية، وهو الحفيد الأخير للعائلة الأرمينية. فهو الذي يفتح أبواب القصة على مصراعيها ليدخل منها القارئ إلى أحداثها. فإبراهيم يرمز إلى الامتداد والهوية والحلم بالوجود، التي يحاول الأرمن وأي شعب مضطهد الحفاظ عليها، إبراهيم وهو النبتة التي ظلت مهرة - الجدة - تبحث عنه، والذي اختطفته "إيرين"، أمه اليهودية التي تزوجت من نبيل ابن مهرة، وهربت به إلى تركيا، مما أدى إلى انتحار أبيه نبيل، فأصرت جدته مهرة على البحث عنه، عن ثمرتها ونبتتها التي تربطها بتلك الحياة، ليهديها تفكيرها إلى كتابة مذكراتها وقص حكاية عائلتها وحكاية اختطاف إيرين لابنها من حضن أبيه المصري، كوسيلة للعثور على حفيدها، آملة أن يصل الكتاب إليه في يوم من الأيام. وبالفعل يصل الكتاب إلى يده بعد عشر سنوات من نشره، ليكتشف إبراهيم أن له جذورًا مصرية وأرمينية لابد من العودة إليها. فيعود إلى مصر ليشارك في صنع حلم التغيير وحلم الخلاص من الظلم بثورة يناير 2011.
استطاعت الكاتبة أن تستخدم خاصية الفلاش باك مرتين فقط: المرة الأولى في بدء القصة، وقد بدأت بالفصل قبل الأخير مثلما أشرنا، والمرة الثانية في العودة مرة أخرى إلى الفصل الأول الذي بدأت به، ثم تستكمل الفصل الأخير من الرواية. وهذه الخاصية لم تشعرنا بأن هناك انفصالًا حدث بين الأحداث. بل إن الكاتبة استخدمت خاصية الحكاية داخل حكاية.
تزخر الرواية بالأحداث السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر، فاستطاعت الكاتبة أن تُضمّنها الكثير من التفاصيل الفنية والعسكرية والاجتماعية، ووجهة نظر الشعب المختلفة في النكسة، وفي شخصية عبدالناصر، في اغتيال السادات، في معاهدة كامب ديفيد، وانطباع الدول العربية عن معاهدة السلام وانعكاس ذلك على علاقتها بمصر، ثم ثورة يناير، هكذا احتوت الرواية تفاصيل عدة لم نشعر معها أنها محض مادة جافة وليست رواية إبداعية. بل على العكس، استطاعت أن تضفّر تلك الأحداث داخل الرواية بشكل حرفي، دون أن يتسلل إلينا شعور بالملل، كما حرصت الكاتبة على سرد تفاصيل العادات والتقاليد وكثير مما يخص الشعب الأرمني، حتى إنها ضمّنت أسماء الكثير من الأكلات الأرمينية، الملابس، ولم تغفل تفسير تلك المصطلحات في هامش كل صفحة، وهو ما يُحسب لها ويدل أيضًا على سعة اطلاعها على تاريخ الأرمن السياسي والاجتماعي، لفترة قاربت الثلاث سنوات قبل كتابة هذه الرواية.
للكاتبة قدرة فائقة على الوصف والمشهدية وبالأخص وصف المشاعر، خاصة في الأحداث الكبيرة والصادمة مثل النكسة وانعكاساتها النفسية على الشعب المصري، ما حدث للأسرى المصريين بعد النكسة من الإسرائيليين، وصف مذبحة مدرسة بحر البقر، ووصف ثورة يناير، ووصف حادث اغتيال السادات.
* المشتركات بين الشعبين
أشارت الرواية إلى مظاهر الامتزاج والمشتركات بين الشعب الأرمني النازح والمقيم في بورسعيد وبين المصريين، من خلال رصدها لمساهمة كل الفئات في التخفيف عن المهجرين بعد النكسة: مهرة وأمها الأرمينية، وشهرت المصرية، وسيلين الفرنسية، بينما يأتي موقف المصريين من الأرمن المهجرين في بورسعيد ومساندتهم عن طريق إيجاد عمل لهم بينهم، وفي المقابل، نجد موقف الأرمن بعد النكسة المتمثل في البطلات الثلاث والتوجه لمساعدة المصابين، كذلك فقد اشترك الشعبان في فعل التهجير، فالأرمن قد تم تهجيرهم رغما عن بلادهم، والمصريون في بورسعيد تم تهجيرهم بعد النكسة.
كما يقف ما حدث للأرمن على يد العثمانيين من مذابح في مقابل ما حدث من العدو الصهيوني سواء بفلسطين أو مصر من جرائم. فالمعتدي الظالم واحد، سواء كان يعتدي متخفيًا تحت عباءة الدين مثل العثمانيين، أو عدوًا صريحًا.
أيضًا من المقابلات التي تؤكد المشتركات بين الشعبين المصري والأرمني: أن الأرمن قاوموا مذابح العثمانيين، والمصريين قاوموا احتلال العدو الصهيوني وتعرضوا للنكسة.
انتقال "أليك" من عزف الألحان الأرمينية والأوروبية لعزف الألحان المصرية، وخاصة ألحان سيد درويش، إنما هو تمام الاندماج بين الشعبين، ويرمز إلى أن الهم كان واحدًا. فكلا الشعبين يعاني احتلالًا وإهانة.
كذلك التهديد بتأميم أموال حسين وأهله، في مقابل التهديد بتأميم ثروة جدة مهرة الأرمينية.
ويمثل حامد، أبو مهرة وزوج أليك، رمزًا لمجابهة المحتل وصنع وطن حر. رأى في مواجهة العدو الألماني الذي احتل فرنسا فرصة للمقاومة، وكأنه هنا يقاوم المحتل الإنجليزي بمصر، وكأنها الفرصة الأخيرة له لإيجاد وطن حر.
كما يرمز زواج نبيل ابن عدنان التميمي - الذي يمثل مراكز القوى - من فتاة يهودية "إيرين"، لنتائج الانفتاح واتفاقية السلام. فيما يعد هروب "إيرين" بابنها إبراهيم من مصر، رمزا لاحتلال العدو للأرض ورغبته في السيطرة عليها والهروب بالحلم.
انتحار نبيل بعد خطف زوجته لابنه إبراهيم وإلقائه باللوم وتبعات ما حدث على أمه، هذا الانتحار وهذا اللوم يُعد رمزًا للمهاجمين لاتفاقية السلام وإلقائهم باللوم فيما بعد عليها، وإلقاء تبعات أي كارثة تحدث في أي دولة عربية عليها.
كما يرمز بحث مهرة عن حفيدها إبراهيم، للبحث عن الحلم الضائع والامتداد، خوفًا من الفناء بلا فرع.
لجوء الكاتبة لإصابة مهرة بألزهايمر وجعلها تقاوم فعل النسيان بفعل الكتابة، إنما يمثل مفارقة ذكية. فرغم أن الكاتبة تشير إلى أن الإصابة بألزهايمر هنا ربما كانت وسيلة لنسيان صدمة انتحار ابنها وفقدها للحفيد، إلا أنها في الوقت ذاته تجعل تدوين ذكرياتها وقصتها في كتاب وسيلة للتذكر أو للحفاظ على ما تبقى من حيوية المخ. وهنا يتداخل الفعلان لتؤكد الكاتبة أن الهروب من الماضي هو نفي للمستقبل، فمن لا ماضي ولا أحلام له لا امتداد له.
اختيار مهرة لصورتها مع ابنها نبيل وحفيدها إبراهيم لتكون هي صورة غلاف الكتاب، كأنها هنا تستخدم الماضي ليكون وسيلة استدعاء للمستقبل أو للحلم الضائع، وهو إبراهيم.

*السرد:
لم تلجأ الكاتبة إلى استخدام الألاعيب السردية أو التجريب في السرد، نظرًا لعدم توافق ذلك مع توالي الأحداث السياسية داخل الرواية وتعاقبها. هكذا صار للسياسة والفكرة الرئيسية للرواية الهيمنة الأولى على لغة السرد.
تسرد الكاتبة كل قصة لكل جيل من الأجيال بضمير المتكلم على لسان البطلة، فقد استطاعت أن تضفّر هذه الحكايات كلها وتجعلها تصب في الفكرة الرئيسية للرواية: البحث عن الهوية، والحفاظ على الحلم والامتداد، وربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ورفض الاحتلال والطغيان.
الحوار:
يأتي الحوار في الرواية وعلى امتدادها في صيغتين: إحداهما فيما يخص الجيل الأول من العائلة الأرمينية، وهو آشوت وزوجته تالار، فالحوار بينهما كان باللغة العربية الفصحى، كما أن الحوار بينهما وبين المصريين كان باللغة العربية الفصحى. ثم يأتي الحوار بين المصريين بعضهم البعض باللهجة العامية. ثم الأجيال التالية من العائلة الأرمينية التي استقرت بمصر، نلحظ أن الحوار بينهم قد تحول إلى اللهجة العامية. وكأن الكاتبة هنا تؤكد تمام انغماسهم في المجتمع المصري، حتى إنهم أصبحوا يتحدثون العامية بطلاقة.
اللغة والمفردات:
استخدمت الكاتبة لغة سهلة، لم تركن إلى المستغلق من الألفاظ، رغم فصاحة مفرداتها، وهو ما يحسب لها.
هناك تناص “على ندرته” مع بعض اللغات مثل اللغة الفرنسية، أو اللغة التركية في بعض الألفاظ، ولكنها استخدمتها في أضيق الحدود. فجاءت مفرداتها وألفاظها مناسبة تمامًا لطبيعة الحكاية الاجتماعية والسياسية.
الصور والتراكيب والتشبيهات:
لم تستخدم الكاتبة الكثير من الصور والتراكيب والتشبيهات، وكأنها هنا تؤكد طغيان طبيعة الرواية على لغة الكتابة. بعض الصور القليلة التي ربما استخدمتها، ولكنها لم تستخدم كثيرًا من المحسنات البديعية والبيانية وغيرها.
مثلا: "إن الدماء التي سالت على الأرض قد أعادت جذري الذي انتُزع منها إليها من جديد".

دلالة عنوان الرواية:
"تغريبة الدودوك"، ويرمز استخدام كلمة "تغريبة" لتلك الغربة التي يعانيها أي شعب تم احتلاله وتغريبه عن وطنه الأم وتهجيره. مهما اندمج في وطن آخر ومهما شعر باستقرار فيه، إلا أن هناك غربة داخلية سيظل يشعر بها ويشعر بها كل أجياله المتعاقبة، ثم يأتي استخدامها للدودوك - هي آلة نفخ خشبية أرمينية تصدر صوتًا ناعمًا خفيضًا يبعث على الشجن وربما الحزن في بعض الأحيان - وله دلالتان: الدلالة الأولى أنه يرمز إلى التراث الأرميني، إشارة إلى الماضي والأصل الذي لا يمكنهم الانسلاخ منه، والدلالة الثانية تشير لطبيعة تلك الآلة التي تبعث على الشجن والحزن، وهو ذلك الشعور الذي لازم الأجيال المتعاقبة من الأرمن بأنهم مغتربون مهجرون، يحاولون الحفاظ على هويتهم وعلى امتدادهم وعلى أجيالهم.
دلالة الغلاف:
استخدام صور مقصوصة تم اقتطاعها لتشكل صورة الغلاف، كأنها فروع تم اقتطاعها من شجرتها الأصلية: صورة الأب وصورة الأم وصورة الأحفاد، وكأنه تم اقتطاع كل منهم من جذوره وشجرته وزرعه في مكان آخر. ثم صورة المحتل العثماني، وتم وضعها أسفل آلة الدودوك للإشارة إلى أنه هو الجاني والمتسبب في كل هذه الآلام وحالة الشجن والتغريب، إلا أنه لم يستطع بكل ما فعل أن يقطع الأرمن عن تاريخهم وماضيهم وتراثهم..
دلالة الإهداء:
أولا إهداء الكاتبة: "إلى كل الجذور التي اقتُلعت من أرضها وأُجبرت على العيش في أرض غريبة، فما كان منها إلا أن مارست..." يبعث هذا الإهداء برسالة البحث عن الهوية والحفاظ على الامتداد مهما تم التغريب. بينما يمثل الإهداء الثاني للرواية بقلم مهرة الورداني: "إلى فرع من شجرتك، توسّمته مني ونما في أرض بعيدة. أرجو أن تساعدك الحكاية في أن تتبع جذورك وتصل إليها. إلى قطعة من قلبي"، هذا الإهداء يحمل أيضًا دلالة البحث عن الامتداد والحلم الضائع والمخطوف. بينما يمثل الشكر الذي تقدمه مهرة الورداني: "إلى جدتي وأمي، لولاكما ما كان لهذه الحكاية أن تُحكى، وما كان لهذا الكتاب أن يكون"، امتنانًا للماضي واعترافًا بأهميته في صنع الحاضر والمستقبل.
النهاية:
تختار الكاتبة نهاية دراماتيكية لروايتها، فتجعل إبراهيم - الحفيد "الحلم العائد" - يُصاب في ثورة يناير ويقاوم الموت، بينما تظل مهرة الجدة بجانبه تلهج إلى الله بالدعاء لينجيه، بينما تسقي نبتة غرستها في يوم عودته لمصر، فالنبتة هنا تمثل إبراهيم، الذي يرمز إلى الهوية، فقد زرعته مهرة في أرض وطنها مصر، وأصرت على أن تعود النبتة إلى أرضها.
بعض الملاحظات:
على أن هناك بعض الملاحظات، علينا الإشارة إليها، فأليك وهي الجيل الثاني، رغم نشأتها وولادتها واختلاطها بالمصريين ببورسعيد -بلد النضال - فهي لا تستطيع فهم كلمات أغنية "أهو ده اللي صار" لسيد درويش، كما تحتوي الرواية على الكثير من الأخطاء النحوية التي تحتاج إلى مراجعتها.
ختاما.. ما أكثر الشعوب التي تعاني التغريب والوحشة، مهما انخرطت ووجدت في شعوب الأرض الأخرى من يحتوي غربتها ويفهم معاناتها. لكن الغربة هي الغربة.
بروفايل:
علا عبد المنعم، صيدلانية، قاصة وروائية.
لها أربعة إصدارات؛ ثلاث روايات، وهي: “ميراث الأنصاري” عن دار المثقفون العرب ٢٠٢٢، “سوق العايقة” عن دار أكوان ٢٠٢٣، “تغريبة الدودوك”، عن دار الرواق ٢٠٢٦، ومجموعة قصصية “استعمال طبيب”، عن دار أكوان ٢٠٢٤.
تميل علا للمدرسة الواقعية، قد تمزجها أحيانا ببعض التجريب في السرد، وهو ما يبدو في بعض قصصها القصيرة، كما أن لديها القدرة على مزج الأحداث التاريخية والسياسية، وهو ما اتضح جليا في روايتيها “سوق العايقة”، “تغريبة الدودوك”، كما أن لديها قدرة على تنويع الحوار حسب طبيعة الشخصيات وثقافتها.
حصلت علا على جائزة ساقية الصاوي للقصة القصيرة ٢٠١٣، وجائزة النشر في الكتاب الذهبي من روزاليوسف ٢٠٢١.
مراجع:
تاريخ الأدب الإنجليزي - هيبوليت تين.
دراسات في البنيوية التكوينية - لوسيان جولدمان.
منهج البحث في الأدب - جوستاف لانسون.




















0 تعليق