ﻛﻴﻒ ﻏﻴّﺮ اﻟﺬﻛﺎء اﻻﺻﻄﻨﺎﻋﻰ ﺗﺠﺮﺑﺔ ﺿﻴﻮف اﻟﺮﺣﻤﻦ؟

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كان الحج قديمًا مغامرة كبرى؛ قوافل طويلة تشق الصحارى على ظهور الإبل، تحت شمس لا ترحم، تحمل قلوبًا تلهث شوقًا إلى الكعبة شهورًا كاملة بين الرمال والجبال والطرق الوعرة، حيث لا دليل لها سوى النجوم، ومع ظهور السفن والقطارات والطائرات، تحولت أسابيع المشقة إلى ساعات سفر، فتقلّصت المسافات، لكن بقيت رهبة الزحام وتعقيد إدارة ملايين البشر المتجهين إلى المكان والتوقيت نفسه، لأداء المناسك نفسها. أما اليوم، فقد دخل الحج عصرًا جديدًا تُدار فيه الرحلة بالخوارزميات والكاميرات والذكاء الاصطناعي؛ من هاتف يرشد الحاج، وبطاقة ذكية تحفظ بياناته، وأنظمة رقمية تراقب الحشود وتتنبأ بالزحام قبل وقوعه، إلى روبوت يجيب عن أسئلتك بلغتك الأم بين ملايين الجنسيات المختلفة، لتتحول الرحلة الأقدم والأكثر روحانية فى العالم إلى واحدة من أعقد التجارب الإنسانية التى يقودها الذكاء الاصطناعى فى صمت.

 

ما قبل السفر.. رحلتك تبدأ من الهاتف

قبل أن تتحرك من بيتك لأداء أعظم رحلة فى حياتك، تبدأ أولى ملامح «الحج الذكى» من شاشة هاتفك المحمول، وذلك بمجرد استخراج التصريح، حيث تتحول التطبيقات الرقمية إلى رفيق دائم للحاج؛ إشعارات لحظية، خرائط تفاعلية، مواعيد التفويج، تعليمات التنقل، حالة الزحام، أرقام الحافلات، ومواقع السكن.

وتُعد منصة «نسك» التابعة لوزارة الحج والعمرة السعودية، هى القلب الرقمى لهذه التجربة؛ حيث تحول التطبيق خلال سنوات قليلة إلى ما يشبه «التطبيق الفائق» أو الـ Super-App، بعدما تجاوز عدد مستخدميه 51 مليون مستخدم حول العالم، مقدمًا أكثر من 120 خدمة رقمية مرتبطة بالحج والعمرة.

داخل التطبيق، لا تُعرض المعلومات فقط، بل تُحلل أيضًا، فالمنصة تتعامل مع ملايين البيانات المرتبطة بحركة الحجاج وأوقات الذروة ومسارات التنقل، بهدف تقليل الضغط على المشاعر المقدسة وتوجيه الحشود بصورة أكثر انسيابية.

لكن العنصر الأهم ربما ليس التطبيق ذاته، بل "البطاقة الذكية" التى أصبحت بمنزلة الهوية الرقمية للحاج، ففى موسم 1446هـ، جرى توزيع نحو 1.6 مليون بطاقة ذكية تعمل عبر تقنيات NFC والباركود المشفر، تحتوى على بيانات السكن والتنقل والمعلومات الصحية الأساسية.

فى حالات الطوارئ، يستطيع المسعفون الوصول فورًا إلى فصيلة الدم أو الأمراض المزمنة أو الحساسية الدوائية خلال ثوانٍ معدودة.

أما أمنيًا، فتحولت البطاقة إلى أداة تحقق مركزية تمنع دخول غير المصرح لهم إلى المشاعر المقدسة، عبر أنظمة تحقق رقمية مرتبطة مباشرة بقواعد البيانات الحكومية.

 

من المطار إلى مكة

وبمجرد وصولك إلى المطار، تبدأ ملامح المدينة الذكية فى الظهور، من بوابات إلكترونية تعتمد على البيانات البيومترية، وكاميرات تتعرف على الوجه، وأنظمة تحقق رقمية تقلل زمن الانتظار إلى دقائق قليلة.

وفى إطار مبادرة "طريق مكة" التابعة لوزارة الداخلية السعودية لتسهيل إجراءات الحجاج، بات بإمكان الحاج إنهاء إجراءات دخوله إلى المملكة من مطار بلده، بحيث ينتقل مباشرة من الطائرة إلى مقر إقامته دون المرور بإجراءات معقدة داخل المطارات السعودية.

وخلال عام 2024 وحده، استفاد من المبادرة أكثر من 322 ألف حاج، فى تجربة تُعد من أكبر نماذج تسهيل الحركة البشرية المعتمدة على الذكاء الاصطناعى والربط الرقمى بين الدول.

أما خارج المطار، فلا تبدو الطرق عادية أيضًا، فالإشارات المرورية مرتبطة بأنظمة تحليل لحظية لحركة المركبات، والحافلات تتحرك وفق خرائط ديناميكية تتغير بحسب الكثافات، فيما تتابع الكاميرات تدفق الحشود والمركبات بصورة مستمرة.

 

داخل الحرم.. 15 ألف كاميرا ذكية

وحين تدخل بملابس الإحرام المسجد الحرام وتنظر الكعبة للمرة الأولى، تبدو الصورة روحانية خالصة؛ طواف لا ينقطع، ودعوات تتصاعد، وملايين البشر يتحركون حول الكعبة فى مشهد يكاد يتجاوز الوصف، لكن خلف هذه اللحظة، تعمل واحدة من أعقد منظومات إدارة الحشود فى العالم.

فهناك أكثر من 15 ألف كاميرا ذكية موزعة داخل مكة والمشاعر المقدسة، لا تكتفى بالمراقبة التقليدية، بل تستخدم تقنيات “الرؤية الحاسوبية” لتحويل الصورة إلى بيانات قابلة للتحليل الفورى.

حيث تقيس الخوارزميات كثافة الحركة، وسرعة التدفق، ونقاط التكدس، ثم ترسل النتائج مباشرة إلى غرف التحكم المركزية، حيث تقوم منظومات مثل "بصير" و"سواهر" المدعومة بالذكاء الاصطناعى التى تستطيع التنبؤ من خلال البيانات بحدوث ازدحام فى بعض المناطق قبل وقوعها بنحو 15 دقيقة، ما يسمح بإعادة توجيه الحشود استباقيًا قبل تحول الزحام إلى خطر.

وفى السماء، تحلق الطائرات المسيّرة "الدرونز" المزودة بتقنيات تصوير حرارى لمراقبة الزوايا الضيقة ومتابعة أى تغير غير طبيعى فى الكثافات البشرية.

 

الطواف والسعى.. روبوتات بـ60 لغة

وأثناء الطواف، قد تصل إلى هاتفك المحمول إشعارات تقترح مسارات أقل ازدحامًا، أو تنبهه إلى أفضل أوقات الحركة داخل الحرم، وإذا ابتعد عن مجموعته، تستطيع التطبيقات الذكية تحديد موقعه لحظيًا عبر الخرائط التفاعلية، حتى التائهون لم يعودوا يضيعون طويلًا.

أما داخل المسعى، فتُلاحظ عن قرب روبوتات تتحدث بأكثر من 60 لغة لإرشاد واستقبال الحجاج والإجابة عن الأسئلة الدينية والتنظيمية، حيث صُممت خصيصًا للتعامل مع حجاج قدموا من 183 دولة مختلفة.

ولكن التحدى لم يكن فى الترجمة فقط، بل فى دقة المعلومة الدينية نفسها، ولهذا طورت المملكة بنية متقدمة تُعرف باسم «Fanar-Sadiq»، تعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعى متعددة لضمان ألا تُقدَّم أى فتوى أو إجابة دينية دون ربطها بمصدر موثق من القرآن الكريم أو السنة النبوية.

النظام يراجع الإجابات، ويتحقق من الاستشهادات، ويفرق بين المسائل الحسابية والفقهية المعقدة لتقليل احتمالات "الهلوسة الرقمية" المرتبطة بالذكاء الاصطناعى.

 

عرفات.. الصحة الذكية

وفى أعظم أيام الحج، يوم عرفة، حيث ترتفع درجات الحرارة أحيانًا إلى أكثر من 50 درجة مئوية، لا يصبح الذكاء الاصطناعى مجرد أداة تنظيم، بل يتحول إلى منظومة إنقاذ كاملة.

فيمكنك ارتداء أسورة ذكية تراقب المؤشرات الحيوية لجسدك لحظة بلحظة؛ معدل ضربات القلب، نسبة الأكسجين، ودرجات الإجهاد، وإذا ظهرت مؤشرات خطر، تُرسل التنبيهات فورًا إلى الفرق الطبية القريبة.

وفى الطرقات،لا تقلق من شدة الحرارة والإعياء، فهناك حساسات حرارية لتشغيل أنظمة رش الرذاذ والمظلات التلقائية فى المناطق التى يتم رصد ارتفاع حرارى غير طبيعى فيها، لمواجهة ما يعرف بظاهرة "الجزر الحرارية".

أما داخل المستشفيات، فتُستخدم الروبوتات الجراحية لإجراء عمليات دقيقة وعاجلة لضيوف الرحمن، إلى جانب خدمات "الطب الاتصالي" التى تتيح استشارات فورية عن بُعد بين الأطباء داخل وخارج المشاعر المقدسة.

 

الجمرات.. كيف تمنع الخوارزميات الكوارث؟

ربما تبقى منطقة الجمرات الاختبار الأصعب لأى منظومة تقنية، فهنا يتحرك ملايين الحجاج فى توقيتات متقاربة داخل نطاق محدود، وهو ما جعل الموقع تاريخيًا واحدًا من أكثر مناطق الحج حساسية.

لكن اليوم لا تقلق، فأصبحت تُدار الجمرات بعقل إلكترونى متكامل، فالكاميرات الحرارية وأجهزة الاستشعار تراقب كل متر تقريبًا، والخوارزميات تحلل اتجاهات الحركة وسرعتها وكثافتها فى الزمن الحقيقى، فإذا ارتفعت الكثافة فى ممر معين، يُغلق تلقائيًا، وإذا تباطأت الحركة، تُفتح مسارات بديلة، وإذا ظهرت بوادر خطر، تتحرك فرق الطوارئ قبل أن يشعر الحجاج أصلًا بوجود أزمة، كل قرار هنا يُتخذ خلال ثوانٍ، اعتمادًا على أنظمة تحليل فورى للبيانات تعمل دون توقف.

من الحافلات إلى "التاكسى الطائر"

وضمن مشروعات الحج المستقبلية، بدأت المملكة إدخال تقنيات "التاكسى الطائر" أو المركبات الجوية الكهربائية ذاتية القيادة (eVTOL)، بهدف استخدامها فى الإخلاء الطبى السريع ونقل المستلزمات الطبية والدم خلال حالات الطوارئ.

وبينما تتحرك الملايين على الأرض، تبدأ السماء أيضًا فى التحول إلى مساحة تشغيل ذكية تدعم واحدة من أعقد العمليات اللوجستية البشرية فى العالم.

 

الوجه الآخر للحج الذكي

ورغم هذا التطور الهائل، لا يخلو "الحج الذكي" من تحديات إنسانية وتقنية معقدة، فكبار السن، على سبيل المثال، يواجهون صعوبة فى التعامل مع التطبيقات والواجهات الرقمية، وهو ما دفع الجهات المختصة إلى تطوير أدوات تعتمد على الصوت والصور بدلًا من النصوص المعقدة.

كما تظل حماية البيانات البيومترية والمعلومات الصحية للحجاج واحدة من أبرز القضايا الحساسة، خاصة مع الاعتماد المتزايد على تقنيات التعرف على الوجه وتتبع المواقع.

ولهذا، تفرض المملكة تشريعات صارمة للأمن السيبرانى لضمان استخدام البيانات فقط لأغراض السلامة والتنظيم.

 

نحو "حج بلا ورق"

نُلاحظ أنا الهدف المستقبلى لخطة وزارة الحج والعمرة هو الوصول إلى "حج بلا ورق" بالكامل، مع استخدام “التوائم الرقمية الحية" لمحاكاة سيناريوهات الطوارئ بدقة متناهية، وإدخال تقنيات الواقع المعزز لتدريب الحجاج افتراضيًا قبل وصولهم إلى الأراضى المقدسة.

ورغم كل هذه الخوارزميات والكاميرات والروبوتات التى تعمل بصمت فى الخلفية، يبقى المشهد الأكثر حضورًا فى النهاية إنسانيًا وروحانيًا بامتياز؛ ملايين البشر بملابس الإحرام البيضاء يطوفون، ويرفعون أيديهم بالدعاء، فى أمان وسكينة.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق