فاطمة: التعامل مع التكنولوجيا صعب.. ومحمد: استعنت بحفيدى لملء البيانات وخائف من النتيجة
صعوبة التقديم على المنصة يحرم ملايين العجائز من الحصول على وحدة بديلة
عدد مستأجرى القانون لقديم يتراوح بين 1.3 و1.7 مليون شخص.. وغياب قاعدة البيانات مشكلة تبحث عن حل
على الرغم من دخول القانون رقم 165 لسنة 2025 حيز التنفيذ فى أغسطس الماضى، إلا أن أصداءه ما زالت تتردد، ما بين دعاوى قضائية بعدم الدستورية، ومطالب بإعادة مناقشته داخل أروقة البرلمان، يتزامن هذا مع مشكلة السكن البديل التى فرضت نفسها بقوة على الساحة بعد الإعلان عن تقدم حوالى 93 ألف مواطن فقط للحصول على وحدات، رغم أن التقديرات الفعلية لسكان الإيجار القديم تؤكد أنهم ملايين، ومع غياب قاعدة بيانات حقيقية حول أعداد المستفيدين من وحدات الإيجار القديم تتفاقم المشكلة أكثر وأكثر، خاصة أن الحكومة حددت يوم 12 يوليو القادم لانتهاء مهلة التقديم على شقق السكن البديل، بينما يشكو ملايين المستفيدين من صعوبة الوصول وإتمام عملية التسجيل على المنصة، وهو ما يهدر حقهم فى الحصول على مسكن آخر.
وكانت المهندسة مى عبدالحميد، رئيس صندوق الإسكان الاجتماعى ودعم التمويل العقارى أكدت فى تصريحات صحفية أنه عقب انتهاء فترة التقديم، يقوم الصندوق خلال شهر واحد بحصر الطلبات وترتيب أولوياتها، ثم تُعرض النتائج على وزيرة الإسكان تمهيدًا لاعتمادها من مجلس الوزراء، موضحة أنه سيتم إعلان النتائج بعد اعتمادها رسميًا عبر المنصة الإلكترونية، إلى جانب إرسال رسائل نصية للمتقدمين توضح موقفهم من التخصيص والحجز.
وأضافت أن المستحقين يلتزمون بسداد المبالغ المالية المقررة خلال مدة لا تتجاوز 3 أشهر من تاريخ إخطارهم بتخصيص الوحدة، وذلك وفق نظام التخصيص وخطة السداد التى يختارها المتقدم.
ورغم هذه التصريحات إلا أن الواقع يؤكد أن الحصول على سكن بديل مشكلة كبرى بالنسبة لعدد كبير من المواطنين، وإذا كانت الدكتورة ليلى إبراهيم مهندسة الذرة المصرية التى نامت فى الشارع بعد أن طردها صاحب المسكن لعدم قدرتها على دفع الإيجار الشهرى بعد زيادته، لم تتمكن من التقديم على هذا المسكن البديل، فما بالنا بحال ملايين المصريين من كبار السن وأصحاب المعاشات والعجائز من ذوى التعليم المحدود.
فالواقع يواجه بعض التحديات، أبرزها غياب قاعدة بيانات موحدة تشمل جميع المستأجرين المستحقين، ما يجعل متابعة الطلبات وتنظيمها أمرًا صعبًا، بالإضافة لعدم إلمام الكثير من المصريين بالتكنولوجيا، والتعامل مع المنصات الإلكترونية، ما قد يمنعهم من إتمام التقديم قبل انتهاء الموعد.
تقديرات متباينة
داخل مجلس النواب، تتردد تقديرات متباينة بشأن عدد الخاضعين للقانون، حيث أشار النائب محمود سامى إلى أن عدد المستأجرين يتراوح بين 1.3 و1.7 مليون مستأجر، وهو رقم ضخم يعكس حجم التعقيد، ولكن الكارثة، كما يوضح، هى غياب قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة يمكن البناء عليها، فكيف يمكن وضع خطة إسكان بديل أو جدول زمنى عادل دون معرفة حقيقية بحجم المستفيدين وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية؟
المفارقة أن عدد المتقدمين للحصول على وحدات سكنية بديلة – عبر المنصة الإلكترونية التى أطلقتها الدولة لم يتجاوز 93 ألف مستأجر، أى ما يقارب 7% فقط من التقديرات المتداولة، وهذا العدد الضيئل فتح بابًا جديدًا للتساؤلات: هل هذا ضعف ثقة، أم غياب البديل الحقيقى على الأرض؟
لا يوجد سكن بديل
شريف الجعار، رئيس اتحاد المستأجرين، يتحدث بنبرة حاسمة، قائلًا لا يوجد سكن بديل من الأساس، ولا وحدات بُنيت، ولا أحوزة عمرانية جاهزة، ولا مؤشرات عملية على تنفيذ فعلى، مشيرا إلى أنّ المنصة الإلكترونية بحسب وصفه مجرد وسيلة لتلقى الطلبات دون مضمون واضح أو التزام محدد، بل ويشكك فى دقة رقم 93 ألف متقدم، معتبرًا أنه لا يوجد حصر حقيقى يمكن الاعتماد عليه.
رئيس اتحاد المستأجرين يشير إلى ما أبعد من ذلك؛ فالمشكلة، من وجهة نظره، ليست فى نقص البيانات فقط، بل فى جوهر الفكرة ذاتها، المستأجر كما يقول يجلس فى مسكنه أو محله التجارى استنادًا إلى أحكام قضائية نهائية، وبعضها صادر عن المحكمة الدستورية العليا، إلا أنّ الامتداد القانونى لجيل واحد من ورثة المستأجر الأصلى حق أقرته أحكام مستقرة، وبالتالى فإن إنهاء العلاقة الإيجارية قبل انتهاء هذا الجيل يمثل، فى نظره، تعارضًا مع هذه الأحكام، ومن هنا يتحول النزاع من خلاف اجتماعى إلى إشكال دستورى.
مواطنون: نموت فى مكاننا أفضل
العديد من المواطنين يشيرون إلى أنهم لا يمتلكون خبرة كافية فى التعامل مع الإنترنت أو الهواتف الذكية، أو حتى استخدام البريد الإلكترونى، ما يجعل عملية التقديم على الإسكان البديل أمرًا شاقًا للغاية، بالنسبة لهم، مجرد فتح الموقع أو تسجيل الدخول إلى المنصة الرقمية يمثل تحديًا كبيرًا، وقد يستغرق منهم وقتًا طويلًا، ما يزيد من شعورهم بالتوتر والضغط النفسى مع اقتراب الموعد النهائى للتقديم.
بعضهم يحاول الاعتماد على أبنائهم أو أقاربهم لإنهاء الإجراءات، لكن هذا لا يعفيهم من القلق المستمر بشأن صحة البيانات المقدمة والتأكد من اكتمال الطلب بشكل صحيح، خوفًا من فقدان فرصتهم للحصول على السكن البديل.
تقول السيدة فاطمة على، 62 عامًا، من حى المطرية بالقاهرة، إنها شعرت بالارتباك والخوف عند محاولة التسجيل على منصة مصر الرقمية، مشيرة إلى أنها لم تتعامل مع الإنترنت أو الهواتف الذكية من قبل، وكانت تعتمد على أولادها لمساعدتها، لكنها خشيت أن ترتكب خطأ فى بياناتها ويُرفض طلبها.
وأضافت فاطمة: «أنا مش فاهمة أى حاجة فى الخطوات دى، وكل ما أحاول أدخل على الموقع أحس إن الزمن بيجرى ومش هعرف أخلص قبل الموعد».
أما محمد عبدالرحمن، 65 عامًا، من حى عين شمس، فيقول إن تجربته مع التقديم على السكن البديل كانت محبطة للغاية، لأنه اضطر للاعتماد على حفيده فى إدخال بياناته، لكنه كان يشعر بالتوتر والخوف من أن تكون هناك مستندات ناقصة أو خطأ فى الرقم القومى.
وأوضح محمد: أنا طول حياتى ساكن فى نفس الشقة بالإيجار القديم، هروح فين بعد السن ده، حتى مكان شقق السكن البديل ده غير محدد، يعنى حتى لو قدمت ممكن ألاقى نفسى ساكن فى بدر أو غيرها من المدن البعيدة التى لا تصلح لكبار السن أمثالى.
كما تحدثت السيدة عائشة محمود، 61 عامًا، من منطقة المطرية، مؤكدة أن صعوبة التعامل الرقمى تجعل العملية مرهقة جدًا لكبار السن، فهى غير قادرة على متابعة كل خطوات التسجيل وفهم التعليمات المكتوبة بطريقة رسمية ومعقدة. وقالت عائشة: «لو فى حد يساعدنا خطوة خطوة كان أحسن، إحنا مش عايزين نفقد الفرصة بسبب حاجة إحنا مش فاهمينها».
هناك فئة من المواطنين الذين يرفضون فكرة السكن البديل تمامًا ويصرون على البقاء فى شققهم القديمة، رغم أى عروض أو حوافز تقدمها الحكومة.
يقول السيد أحمد سليمان، 58 عامًا، من حى شبرا بالقاهرة: «إحنا هنا عشنا حياتنا كلها، أولادنا مدارسهم هنا، شغلنا هنا، جيراننا وأصحابنا كلهم هنا، ليه نسيب كل ده ونروح فى حتة بعيدة مش نعرف نعيش فيها؟ إحنا عايشين فى أمان». يوضيف أحمد أن فكرة الانتقال إلى السكن الجديد تجعلهم يشعرون بالغربة والخوف من المجهول، فالمنطقة التى يعيشون فيها سنوات طويلة تمنحهم شعورًا بالطمأنينة والاستقرار، وهو شيء لا يمكن لأى سكن جديد أن يوفره بسهولة.
السيدة خديجة محمود، 60 عامًا، من منطقة عين شمس، تعبر عن موقف مشابه، مؤكدة أنها تفضل تحمل أى زيادة فى الإيجار الحالى على فكرة الانتقال إلى شقة أخرى بعيدة عن حياتها وروتينها: «حتى لو زيادة الإيجار حصلت وتضاعفت، إحنا موافقين على المبدأ، لكن بلاش السكن البديل ده. حياتنا هنا متعودين عليها، كل حاجة هنا مرتبة بالنسبة لينا، والانتقال هيبقى صعب جدًا».
حسن مصطفى، 63 عامًا، من حى المطرية، يقول إن الانتقال إلى السكن البديل لا يعنى فقط تغيير مكان السكن، بل تغيير كامل لحياتهم اليومية: «مش بس الشقة الجديدة بعيدة، ده معناه نسيب الجيران، نسيب السوق اللى نروح له كل يوم، نبدأ من الصفر فى حتة ما نعرفش حد فيها. إحنا كبار فى السن، مش هنعرف نعيش هناك. السكن القديم حتى لو زاد إيجاره، إحنا متعودين عليه ومرتبطين بيه».
ويؤكد حسن أن هذه الفئة من المواطنين ترفض السكن البديل ليس من باب الرفض التلقائى، بل بسبب الخوف من فقدان الروتين والاستقرار، وهو ما يعتبره جزءًا أساسيًا من حياتهم وكرامتهم اليومية.
الموقف نفسه تعكسه السيدة نجوى على، 61 عامًا، من منطقة شبرا، التى تقول: «إحنا مش ضد الحكومة أو أى خطة، بس إحنا عايشين هنا مع أولادنا، وأى تغيير هيبقى صعب علينا. لو الإيجار يزيد، ماشى، ممكن نتعامل معاه، بس فكرة إنهم يودونا فى مكان تانى ومش عارفين نعيش هناك، ده حاجة صعبة جدًا. إحنا عايزين نعيش فى نفس الحى اللى تربينا فيه».
الاستفادة من المبادرة
قالت نهى الجندى، الخبيرة القانونية، إنها تؤيد بقوة فكرة السكن البديل كحل منظم وعادل لملف الإيجار القديم، موضحة أن المبادرة تمثل خطوة حكومية مهمة لإعادة التوازن بين طرفى العلاقة الإيجارية، فى إطار قانونى واضح يحفظ الحقوق ويمنع النزاعات المستقبلية.
وأوضحت أن السكن البديل هو مبادرة حكومية تستهدف توفير وحدات سكنية أو غير سكنية للمستأجرين الخاضعين لقانون الإيجار القديم، وفق ضوابط محددة تضمن وصول الدعم لمستحقيه الفعليين، دون الإضرار بأى طرف.
وأضافت أن هناك شروطًا أساسية للاستفادة من المبادرة، فى مقدمتها أن يكون المتقدم شخصًا طبيعيًا ومقيمًا فعليًا فى العقار محل الإيجار القديم، وألا يكون مالكًا لوحدة أخرى صالحة للسكن أو لنفس الغرض، وألا تكون الوحدة المستأجرة مغلقة لأكثر من عام دون مبرر قانونى. كما يشترط تقديم إقرار رسمى موثق بشغور المسكن وتسليمه فور استلام الوحدة البديلة، لضمان الجدية ومنع ازدواجية الاستفادة.

وأكدت نهى الجندى أن المستندات المطلوبة واضحة ومحددة، وتشمل صورة من عقد الإيجار القديم أو ما يثبت استمراريته، وصورة سارية من بطاقة الرقم القومى، إلى جانب إقرار بشغور الوحدة وتسليمها، ومستندات الحالة الاجتماعية مثل قسيمة الزواج أو الطلاق أو شهادة الوفاة بحسب الأحوال، فضلًا عن مستندات ذوى الهمم كبطاقة الخدمات المتكاملة أو شهادة التأهيل عند الحاجة.
وأشارت إلى أن آلية التقديم ميسّرة وتعكس توجه الدولة نحو التحول الرقمى، حيث يمكن للمواطن إنشاء حساب عبر منصة مصر الرقمية، ثم اختيار خدمة «السكن البديل» من الصفحة الرئيسية، وملء استمارة التقديم إلكترونيًا، كما أُتيحت إمكانية التقديم من خلال مكاتب البريد المنتشرة فى مختلف المحافظات، لتسهيل الوصول للخدمة على غير القادرين على التعامل الإلكترونى.
وشددت الخبيرة القانونية على أن المبادرة، حال تطبيقها بدقة وشفافية، تمثل حلًا عمليًا ومتوازنًا، يراعى البعد الاجتماعى والاقتصادى، ويُنهى إشكاليات تاريخية مرتبطة بقانون الإيجار القديم، مؤكدة أن نجاحها مرهون بالالتزام الصارم بالضوابط القانونية وتحقيق العدالة بين جميع الأطراف.


















0 تعليق