لم تكن زيارة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون إلى الإسكندرية حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل جاءت كواحدة من أهم الرسائل السياسية التى تؤكد حجم التحول الذى شهدته الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى.
فالزيارات الكبرى لا تُقرأ من جدول اللقاءات فقط، وإنما من توقيتها، ورسائلها، وصورتها الذهنية، وما تتركه من انطباعات لدى الرأى العام الدولى. وهنا بدت الإسكندرية وكأنها تعيد تقديم مصر للعالم باعتبارها دولة قوية، مستقرة، واثقة من نفسها، وقادرة على فرض حضورها السياسى والحضارى فى قلب المشهد الإقليمى والدولى.
اختيار ماكرون للإسكندرية تحديداً لم يكن تفصيلاً عابراً.
فالمدينة التى كانت دائماً بوابة مصر على المتوسط تحولت خلال الزيارة إلى منصة سياسية وثقافية تعكس ثقل الدولة المصرية ومكانتها، خصوصاً مع افتتاح جامعة سنجور، بما يحمله ذلك من دلالات تؤكد أن مصر أصبحت مركزاً إقليمياً للمعرفة والثقافة والتعاون الدولى، وليس فقط لاعباً سياسياً فى المنطقة.
لكن الرسالة الأعمق لم تكن داخل قاعات الافتتاح، بل فى المشاهد التى خرجت إلى العالم من شوارع الإسكندرية نفسها.
حين ظهر الرئيس الفرنسى وهو يمارس رياضة الجرى على كورنيش المدينة، لم يكن المشهد مجرد لقطة إنسانية عابرة، بل كان إعلاناً عملياً عن حقيقة تدركها العواصم الكبرى جيداً:
أن مصر أصبحت عنواناً للاستقرار والأمن فى منطقة تعيش على وقع الاضطرابات.
هذه الصورة وحدها حملت قوة سياسية ناعمة تفوق عشرات البيانات الرسمية، لأنها قدمت للعالم رسالة مباشرة بأن الدولة المصرية نجحت بقيادة الرئيس السيسى فى استعادة هيبة الدولة، وترسيخ مفهوم الأمن الشامل، وبناء حالة من الاستقرار جعلت قادة العالم يتحركون داخل الشارع المصرى بثقة واطمئنان.
ولم يكن خافياً حجم التفاهم الخاص بين الرئيس السيسى والرئيس ماكرون، وهى علاقة تطورت عبر سنوات من التنسيق السياسى والرؤية المشتركة تجاه قضايا المنطقة.
فالرئيس السيسى نجح فى بناء شبكة علاقات دولية متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وهو ما جعل مصر شريكاً أساسياً لفرنسا وأوروبا فى ملفات مكافحة الإرهاب، والطاقة، والهجرة غير الشرعية، وأمن البحر المتوسط، وتسوية أزمات الشرق الأوسط.
لقد أدركت القوى الكبرى أن القاهرة فى عهد الرئيس السيسى لم تعد مجرد دولة تتأثر بما يحدث حولها، بل أصبحت دولة تصنع التوازن وتحمى استقرار الإقليم.
ومن هنا جاءت الحفاوة الفرنسية الواضحة، ليس فقط بالرئيس السيسى، وإنما بالدولة المصرية نفسها.
أما المشهد الشعبى، فكان أكثر عمقاً وتأثيراً.
فالمصريون الذين استقبلوا الرئيس الفرنسى بحفاوة كبيرة قدموا صورة حضارية تعكس وعى الشعب المصرى وثقته فى دولته وقيادته السياسية. وتحولت مواقع التواصل الاجتماعى إلى مساحة احتفاء واسعة، حيث انتشرت آلاف الصور والتصميمات التى جرى إنتاجها بتقنيات الذكاء الاصطناعى للرئيسين السيسى وماكرون، فى مشهد يكشف كيف أصبحت القوة الناعمة المصرية تمتلك أدوات جديدة للتأثير وصناعة الرأى العام.
لقد بدا واضحاً أن مصر لا تتحرك فقط بثقلها السياسى، بل أيضاً بحضورها الشعبى والثقافى والحضارى.
السياسة الخارجية المصرية فى عهد الرئيس السيسى نجحت فى إعادة تعريف دور الدولة المصرية على الساحة الدولية. فالقاهرة أصبحت تتحدث بلغة الدولة القوية التى تملك قرارها الوطنى، وتبنى علاقاتها وفقاً لمعادلة التوازن والندية، لا التبعية أو الانفعال.
ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول زيارة ماكرون إلى حدث دولى لافت، لأن العالم بات ينظر إلى مصر باعتبارها حجر الأساس فى استقرار المنطقة، وصوت العقل فى زمن الفوضى.
الإسكندرية فى تلك الزيارة لم تكن مجرد مدينة تستقبل رئيساً أجنبياً، بل كانت مصر كلها وهى تعلن بثقة أنها استعادت مكانتها، وأن الجمهورية الجديدة التى يقودها الرئيس عبدالفتاح السيسى أصبحت حقيقة يراها العالم على الأرض.
كانت الزيارة رسالة سياسية مكتملة المعنى:
أن مصر القوية عادت... وأن العالم يدرك جيداً قيمة الدولة التى تعرف كيف تحمى وطنها، وتصنع الاستقرار، وتبنى المستقبل.

















0 تعليق