قمة بكين بين الفشل والمقايضة

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

وسط حرب مفتوحة مع إيران، وأزمة طاقة عالمية متصاعدة، وتوترات حول تايوان والتجارة والتكنولوجيا، يلتقى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب نظيره الصينى شى جين بينج فى بكين فى قمة توصف بأنها واحدة من أكثر اللقاءات حساسية بين القوتين الأعظم منذ سنوات، ترامب يصل إلى بكين «محبطاً» لأنه لم يستطع إيقاف الحرب على إيران، والأخيرة لم تستسلم كما رغب، فترامب صانع الصفقات، يجد نفسه اليوم فى وضع لم يعتد عليه، لم ينجح فى الحد من تدفق إمدادات النفط إلى الصين، ونتائج الحرب قد تؤدى إلى تحول جذرى مفاجئ فى الجغرافيا السياسية لمصلحة بكين.

الهدف الأساسى من القمة كان معالجة التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين فى العالم، غير أن الحرب الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران دفعت الملف الأمنى إلى صدارة المشهد، بعدما تسبب إغلاق مضيق هرمز فى اضطراب أسواق النفط العالمية وإثارة قلق واسع داخل الصين، التى يعتمد جزء كبير من وارداتها النفطية على المضيق، فرغم أن الصين تمتلك احتياطيات كبيرة ومصادر طاقة متنوعة، وقادرة على تحمّل اضطرابات قصيرة الأمد بصورة أفضل من كثير من حلفاء الولايات المتحدة فى آسيا، فإن المخاوف تتزايد من أن يؤدى استمرار الحرب إلى ركود اقتصادى عالمى ينعكس مباشرة على اقتصادها المعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات، ويبقى السؤال المطروح: هل سيطلب ترامب المساعدة من نظيره الصينى لإنهاء حربه؟ لو حدث هذا فسيمنح بكين نفوذا دبلوماسيا هائلا قبل أى مفاوضات بينهما.

الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين تدور الآن بمبدأى التعامل بالمثل والعين بالعين والتنافس بينهما وصل إلى نقطة التعادل، حيث لم يعد هناك رابح أو خاسر، بدءا من الرسوم الجمركية الباهظة وصولا إلى تقييد بكين لصادرات المعادن الأرضية النادرة.

تظل تايوان القضية الأكثر حساسية، حيث ما انفكت بكين تقاطع أى دولة تعترف بتايوان الجزيرة التى تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها وتوصف محاولات تايوان للانفصال بالتمرد على الوطن الأم، والآن تضغط بكين بقوة لوقف حزمة المساعدات العسكرية الأمريكية البالغة 11 مليار دولار لتايوان.

تأمل بكين أن يتبنى ترامب صياغات أكثر قرباً من الموقف الصينى، مثل الانتقال من التصريح بأن واشنطن لا تدعم استقلال تايوان إلى أنها تعارض استقلال تايوان، وهو ما ستعتبره الصين مكسبا سياسيا، وفى المقابل تبدو إدارة ترمب حريصة على نفى أى تراجع جوهرى فى التزاماتها تجاه تايوان ومن غير المرجح أيضا أن تقدم واشنطن تنازلا كبيرا بشأن تايوان.

فى الشق التجارى، يسعى ترامب بالدرجة الأولى إلى العودة من بكين باتفاقات اقتصادية تساعده داخليا قبل انتخابات التجديد النصفى للكونجرس فى نوفمبر المقبل، خصوصا مع الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب وارتفاع أسعار النفط إلى نحو 120 دولارا للبرميل، فبحسب تسريبات يريد ترامب مثلا إبرام صفقات لشراء فول الصويا، وبيع 500 طائرة من طراز «737 ماكس» وتخفيف القيود الصينية على تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية الأمريكية.

أما الصراع الحقيقى فيكمن فى سيادة التكنولوجيا وهو صراع وجودى بين القوى العظمى كما يوصفه ماركو روبيو وزير الخارجية الأمريكي، فبينما تطالب واشنطن الصين بفتح أسواقها ورفع القيود عن المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية، تضغط بكين لرفع الحظر عن رقائق الذكاء الاصطناعى المتقدمة.

العلاقة بين واشنطن وبكين تخطت المنافسة الاقتصادية، لتصبح صراعا أشمل حول شكل النظام العالمى المقبل، فالصين ترى أن إدارة ترامب الحالية أقل تشددا من الإدارات السابقة حيالها، بعدما خففت القيود على بعض صادرات التكنولوجيا، وأظهرت حذرا أكبر فى دعم تايوان، فيما يعتقد أن الرئيس الأمريكى يميل بالفعل إلى تصور عالم قائم على مناطق نفوذ تتقاسمها القوى الكبرى.

لكن رغم التصريحات المتفائلة والاحتفالات البروتوكولية التى قوبل بها ترامب فى بكين، ليس بإمكاننا الإفراط فى التفاؤل وفق المعطيات، فالحرب الإيرانية ما تزال مفتوحة، والتوتر حول تايوان يتصاعد، والحرب التجارية لم تُحسم، فيما تتحول الطاقة والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة إلى أسلحة جيوسياسية فى معركة إعادة تشكيل موازين القرن الحادى والعشرين، وفى أحسن النتائج قد تستخدم بكين نفوذها عبر مقايضة محسوبة كأن تقدم مخرجا مشرّفا لترامب من الحرب الإيرانية، ربما عبر اتفاق يسمح بنقل المواد النووية الإيرانية إلى الصين، وتطلب تنازلات أمريكية تتعلق بتايوان أو بحر الصين الجنوبى.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق