عندما يعلن إيلون ماسك ثقته بأن تسلا ستنال الضوء الأخضر في أوروبا قريباً، يبدو الأمر كإعلان انتصار مسبق. لكن ما يجري خلف أبواب الجهات التنظيمية الأوروبية يحكي قصة مختلفة تماماً، قصة يصفها مسؤولون باتوا لا يخفون دهشتهم وقلقهم في المراسلات الداخلية التي باتت تتسرب إلى الصحافة.
في الخامس من مايو 2026، كشف تحقيق نشرته وكالة رويترز تفاصيل مثيرة عن مراسلات بين منظمي المرور في دول أوروبية عدة، تكشف فجوة واسعة بين ما تروّج له تسلا وما يراه هؤلاء المنظمون على أرض الواقع.
البداية من هولندا.. موافقة واحدة لا تكفي
نالت تسلا في أبريل الماضي موافقة هيئة المرور الهولندية RDW على نظام القيادة الذاتية FSD Supervised، وباتت الهيئة تسعى إلى الحصول على موافقة أوروبية شاملة، في ظل جلسة استماع حاسمة لجنة تقنية أوروبية مُقررة هذا الأسبوع. غير أن الموافقة الهولندية التي اعتبرتها تسلا بداية الطريق، بدت في عيون منظمين آخرين أقرب إلى خطوة متسرعة. الهيئة الهولندية ذاتها لم تُصدر أي بيانات بحثية أو بيانات توضح أسباب قبولها للنظام، واكتفى مديرها العام بعبارة: ثقوا بنا، لقد اختبرناه بشكل مستفيض. وهي عبارة لا تُشبع جوع المنظمين الأوروبيين الذين تربّوا على ثقافة البيانات والأدلة الموثقة.
تجاوز السرعة.. مفاجأة أذهلت محققاً سويدياً
كتب هانس نوردين، المحقق في وكالة النقل السويدية، في رسالة بريد إلكتروني مؤرخة في 15 أبريل، أنه فوجئ جداً حين علم أن تسلا تسمح لنظام FSD بتجاوز حدود السرعة المقررة، مؤكداً أن ذلك لا ينبغي أن يُسمح به. هذه النقطة بمفردها كافية لإثارة الذعر في السياق الأوروبي، حيث تعتبر انتهاكات السرعة مسألة أمان عامة لا تقبل المساومة أو المرونة التقنية.
الطرق الجليدية والمُوظ.. سيناريوهات لم تُجبها تسلا
لا تنتهي المخاوف عند السرعة. كتب يوكا يوهولا، مسؤول في وكالة النقل الفنلندية، متسائلاً في يناير الماضي عن أداء النظام في الظروف الشتوية، قائلاً: هل يطرحون نظاماً يسمح بالقيادة بلا يدين على طرق جليدية بسرعة 80 كيلومتراً في الساعة؟ كما تساءل المنظمون الإسكندنافيون عن كيفية تعامل النظام مع الموظ على الطرق.
هذه التساؤلات ليست هامشية، ففي الدول الإسكندنافية الطرق الجليدية والحيوانات البرية على الطرق السريعة ليست استثناءات نادرة، بل جزء من الواقع اليومي في الشتاء. وعدم وجود إجابات قاطعة من تسلا على هذه الحالات يجعل الموافقة على النظام في تلك الدول مغامرة لا يرغب أحد في تحملها.
المسمى التجاري.. هل "القيادة الذاتية الكاملة" مضللة؟
أثار المنظمون أيضاً مخاوف جوهرية حول مسمى "Full Self-Driving Supervised" نفسه، محذرين من أنه قد يوهم السائقين بأن السيارة تقود نفسها بالكامل، في حين يظل السائق مسؤولاً ومطالباً بالتركام الكامل في جميع الأوقات. هذا الإشكال ليس جديداً، فقد رافق تسلا منذ سنوات في الولايات المتحدة، وتفاقم كلما وقع حادث أثناء استخدام النظام. لكن الفارق هو أن المنظمين الأوروبيين باتوا يضعون هذا الأمر صراحةً في مراسلاتهم الرسمية كعائق أمام الموافقة.
أسلوب الضغط.. تكتيك يزيد الشكوك
ربما أكثر ما أزعج المنظمين الأوروبيين لم يكن التقنية ذاتها، بل الطريقة التي تتعامل بها تسلا معهم. كشفت المراسلات أن مدير سياسات تسلا الأوروبي تواصل مع السلطات السويدية لحثها على الموافقة بعد أربعة أيام فقط من إعلان هولندا قرارها، وذلك قبل أن تراجع السلطات السويدية أي وثيقة تقنية عن النظام. كما أبدى المنظمون انزعاجاً من حملة تسلا التي شجعت أصحاب سياراتها على الضغط على الجهات التنظيمية للمطالبة بالموافقة على النظام، وهو نهج لا يتلاءم مع الثقافة التنظيمية الأوروبية التي تقوم على الحجج التقنية لا الضغوط الشعبية.
ما يترتب على تسلا اقتصادياً
الرهانات ليست فلسفية فحسب. تراهن تسلا على نيل موافقة FSD في أوروبا لاستعادة حصتها السوقية التي تراجعت خلال العامين الماضيين، فضلاً عن توسيع نموذج الاشتراك الشهري في القيادة الذاتية كمصدر دخل متكرر. وبحسب المحللين، فإن الموافقة الأوروبية ستُحسّن هوامش الربح وستساعد في مواجهة المنافسة المتنامية من المصنّعين الصينيين للسيارات الكهربائية.
غير أن الجدول الزمني الذي أعلنته تسلا للحصول على الموافقة الأوروبية بحلول صيف 2026 بات يبدو في غاية الهشاشة في ضوء حجم الشكوك التي رصدتها المراسلات المسربة.
















0 تعليق