تكاليف الزواج بين المبالغة والاعتدال

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الحمد لله خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه.

أما بعد

فالزواجُ سُنَّةٌ إلهيةٌ ماضية، أودع الله فيها سرَّ السَّكَن، وجعلها مَعينَ الطمأنينة، منها تنبثق الأسرة التى تُعَدُّ نواةَ المجتمع وأساس بنائه، ومنها يمتدُّ النسل وتستمرُّ الحياة، ولقد أحاط الإسلام هذا الرباط بعنايةٍ بالغة، لما يحمله من مقاصد سامية وحِكَم جليلة، فحثَّ عليه ورغَّب فيه، وفتح أبوابه بشروطٍ تحفظ كرامته وتصون غايته.

غير أنَّ مما يُعكِّر صفوَه، وربما يحُول دون تحقيقه، تلك المغالاةُ فى المهور، والإسرافُ فى تكاليفه، فتتحوَّل الفكرة من طمأنينةٍ تُرجى، إلى قلقٍ يُرهِق، ومن أملٍ يُزهر، إلى خوفٍ يُقيِّد، إذ يشعر المقبل على الزواج بأنَّه أمام عبءٍ يفوق طاقته، أو اختبارٍ لا يملك أدواته، فيتسلَّل إليه الإحباط، ويستبدُّ به التردُّد، وربما آثر العزوفَ عنه هربًا من ألمٍ متوقَّع، لا من حقيقة الزواج فى ذاته، بل مما أُضيف إليه من مطالب وتعقيداتٍ لا تمتُّ إلى مقاصده بصلة، إذ هى أمورٌ لم يجعلها الشرع مقصدًا، ولم يدع إليها، بل جاءت مخالفةً لروحه السمحة التى تقوم على التيسير ورفع الحرج، ومن هنا كان لزامًا بيان خطرها، والتنبيه إلى أثرها فى صدِّ الناس عن هذا الميثاق الغليظ.

أعظم النكاح بركة أيسره:

إنَّ أصدقَ الشواهدِ على أنَّ التيسيرَ هو مِشكاةُ الزواجِ الوضَّاءة، وروحُ مِيثاقهِ الغليظ، ما أخبر بهِ الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - فى قولهِ المأثور: «إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً» «رواه البيهقى»، وأكد النبى - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى فى قوله الشريف: «خيرُ النِّكاحِ أيسرُه» «رواه ابن حبان»، فبذاك البيانِ النبوى السامق، ظهر جليًّا أنَّ النماءَ واليُمنَ معقودانِ برباطِ القصدِ والرفق، بعيداً عن غلواءِ الكلفةِ التى تُرهقُ كاهلَ المودة، وجنونِ التباهى الذى يئدُ بهجةَ الوصال.

وعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضى الله عنها، عَنِ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «‌أَعْظَمُ ‌النِّسَاءِ ‌بَرَكَةً ‌أَيْسَرُهُنَّ ‌مَئُونَةً» «رواه أحمد فى مسنده».

التحذير من الإسراف والتبذير مبدأ قرآنى:

ولا شك أن المبالغة فى تكاليف الزواج تُعدّ صورةً من صور التبذير والإسراف، وهو مما نهى عنه الشرع الشريف، لما فيه من إهدار المال فيما لا تدعو إليه الحاجة، وتحويل النعم إلى أسباب للثِّقل والعناء بدل أن تكون وسيلةً للراحة والاستقرار، قال تعالى فى ذم الإسراف: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} «الأنعام: ١٤١»، وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا} «سورة الإسراء:٢٩».

الأصل فى الزواج الجوهر وليس المظهر:

أولى القرآن هذه القضية أهمية كبرى وذلك حينما جعل معيار القبول فى الزواج هو الصلاح وليس الغنى.

فإن الغنى فضل من الله يأتى مع النكاح، وليس شرطًا تعجيزيًا، قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} «النور: ٣٢».

وكان مهر بناته صلى الله عليه وسلم نحو أربعمائة درهم تقريبًا، وهو مقدار يسير مقارنة بما نراه اليوم.

من أسباب المبالغة فى تكاليف الزواج:

ضغط العادات والتقاليد:

كثيرٌ من الأسر لا تنظر إلى الزواج بوصفه ميثاقًا قائمًا على المودّة والرحمة، بقدر ما تنظر إليه كـ»مناسبة اجتماعية» ينبغى أن تخرج فى أبهى صورة، موافقةً لما اعتاده الناس، ومجاراةً لما جرى عليه العُرف، فيُصبح الشغل الشاغل للأسرة: كيف نُظهر زواج ابنتنا أو ابننا بمظهرٍ لا تنال منا بسببه ألسنة الناس؟، وليس: كيف نُيسِّر ونُبارك، ونحقق المقصد الأسمى من الزواج.

وهذا الضغط الاجتماعى لا يقف عند حدود المال، بل يمتدُّ إلى النفس، فيُولِّد القلقَ، ويُغذِّى الشعور بالعجز، ويجعل الشابَّ والفتاةَ يعيشان تحت وطأة توقُّعاتٍ ثقيلة، فيتأخر الزواج، أو يتمُّ مثقلًا بالتوتر والديون، بدل أن يبدأ هادئًا مطمئنًّا.

ومن هنا، فإنَّ تحرير الزواج من هيمنة هذه العادات، وردَّه إلى ميزان الشرع القائم على التيسير، ليس مجرد إصلاحٍ اجتماعى، بل هو إنقاذٌ للنفوس من ضغوطٍ تُعطِّل الفطرة، وتُبدِّد السكينة التى شُرع الزواج لأجلها.

المقارنات الاجتماعية:

ومن الأسباب البارزة التى تُغذِّى المبالغة فى تكاليف الزواج: المقارناتُ الاجتماعية، ذلك الداءُ الصامت الذى يتسرَّب إلى النفوس، خاصة من وسائل التواصل الاجتماعى، فيُفسد صفو النيات، ويُثقِل كاهل البدايات.

ربط السعادة بالماديات لا بالقيم:

من أخطر ما يُفاقم المبالغة فى تكاليف الزواج: ربطُ السعادة بالماديات لا بالقيم، إذ ينزلق كثيرٌ من الناس إلى وهمٍ مفاده أنَّ السعادة تُشترى، وأنَّ بهجة البداية تُقاس بحجم الإنفاق، لا بصدق المودَّة وصفاء النيَّة.

آثار المبالغة فى تكاليف الزواج:

تعطيل سُنّة الزواج وتأخيره:

حين ترتفع التكاليف فوق طاقة الشباب، يقف كثيرٌ منهم عاجزين عن الإقدام، فيتأخر الزواج أو يعزف عنه، رغم الحثّ الشرعى عليه، مما يُفضى إلى خللٍ فى البناء الاجتماعى، وتعطيلٍ لمقصد الإعفاف، وهذا ما حذر منه النبى صلى الله عليه وسلم أشد التحذير حين قال: «‌إِذَا ‌أَتَاكُمْ ‌مَنْ ‌تَرْضَوْنَ ‌دِينَهُ ‌وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ، قَالَ: «‌إِذَا ‌أَتَاكُمْ ‌مَنْ ‌تَرْضَوْنَ ‌دِينَهُ ‌وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضُ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، «النفقة على العيال لابن أبى الدنيا»، وتأملوا كلمة «فساد عريض»، أى فساد يشمل الأخلاق، والأنساب، والأمن المجتمعى.

استنزاف الموارد الأسرية:

ضغط التكاليف لا يقع على الزوجين فقط، بل يمتد للأهل الذين قد يستنزفون مدخرات العمر، أو يضطرون إلى الاقتراض والاستدانة، لإتمام هذه الزواج، ناهيك عن أن بعض الشباب أقدم على مثل هذه القروض ليستطيع أن يبدأ حياة جديدة، غير أن هذه الحياة مكرسة لسداد الديون بدلا من الاستقرار النفسى والمالى.

تضييق المباح وفتح أبواب الانحراف:

إذا ضاق الحلال وتعسّر، قد ينفتح باب الحرام، لأن الفطرة لا تُلغى، وإنما تحتاج إلى مسارٍ مشروع، فإذا أُعيق هذا المسار، ظهرت آثار ذلك فى انحراف السُّلوك واضطراب القيم.

زوال البركة وضعف الاستقرار:

الإسراف والتكلّف ممّا يُنقص البركة، بخلاف التيسير الذى يجلبها، كما شهدت بذلك الأحاديث النبوية التى ذكرناها من قبل، فيبدأ الزواج مثقَلًا بالديون والأعباء، مما يُضعف استقراره، ويُهدد استمراره منذ خطواته الأولى.

ظلم البنات واستغلال حيائهن:

 نجد فى مجتمعاتنا بعض أولياء الأمور بهم من الطمع والجشع فيمنعون الزواج طمعًا فى المال، مع أنهم لو نظروا بعين الرحمة فسيكون الأمر مختلفا، لأن البنت تحتاج إلى الستر والعفاف، قال تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ} «البقرة: ٢٣٢».

الضغوط النفسية وتفاقم القلق الاجتماعى:

تُسهم التكاليف المبالغ فيها فى توليد حالةٍ من الضغط النفسى المستمر لدى الشباب وأسرهم، إذ يجدون أنفسهم أمام أعباء تتجاوز إمكاناتهم، وتوقعاتٍ اجتماعية يصعب الوفاء بها، ومع تكرار المقارنات وتضخُّم المطالب، يتسلّل إلى النفس شعورٌ بالعجز، ويتنامى الخوف من الفشل قبل الإقدام أصلًا على الزواج.

ومع هذا المناخ المثقل، يتحوّل الزواج فى الوعى من بابٍ للسكينة والاستقرار إلى مصدر قلقٍ وتوتّر، فتضعف الثقة بالقدرة على التأسيس، ويزداد التردد، ويتراجع الإقبال، لا لغياب الرغبة فى العفاف، بل لهيمنة الضغوط التى تُربك القرار وتُنهك النفس، فتفقد السكينة التى أرادها الشرع لهذا الميثاق العظيم.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق