أم تنهى حياة رضيعها بعد اشتعال الخلافات مع الزوج
فى قرية الكوم الأحمر، التابعة لمركز فرشوط شمال محافظة قنا، حيث اعتاد الأهالى إيقاع الحياة البسيط والهدوء الذى لا يقطعه سوى أصوات الأطفال، وقعت مأساة هزّت القلوب قبل أن تشغل صفحات الأخبار.
هناك، داخل منزل عائلى بسيط، انتهت حياة رضيع لم يُكمل عامه الأول، فى واقعة بدت للوهلة الأولى غامضة، لكنها سرعان ما كشفت عن واحدة من أكثر القصص الإنسانية قسوة وتعقيدًا.
لم يكن الرضيع سوى طفل صغير، لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه، ولم يدرك أن الخلافات التى تحيط به أكبر من عمره، وأقسى من احتماله.
كانت والدته قد عادت قبل أشهر إلى منزل أسرتها، بعد سلسلة طويلة من المشادات مع زوجها، خلافاتهما بدأت كأى نزاع عائلى عادى، لكنها مع الوقت تحولت إلى أزمة مستمرة، استنزفت طاقتها النفسية وأفقدتها القدرة على التوازن.
تقول التحقيقات إن الأم كانت تمر بحالة نفسية صعبة، إذ شعرت بالعجز عن الاستمرار فى حياتها الزوجية، وبفقدان الأمان والاستقرار حاول المقربون منها التدخل أكثر من مرة لإصلاح الأمور، وإقناعها بالعودة إلى زوجها، لكن تلك المحاولات لم تنجح، بل ربما زادت من شعورها بالضغط والرفض، كانت ترى فى العودة تكرارًا للألم، وفى البقاء عبئًا لا تستطيع تحمله.
ومع مرور الأيام، تحولت تلك الضغوط إلى حالة من الانهيار الداخلى، لم تعد ترى مخرجًا واضحًا، ولم تعد قادرة على الفصل بين مشاعرها تجاه زوجها ومسئوليتها كأم.
فى اعترافاتها، تحدثت عن محاولات سابقة لإنهاء حياتها، وكأنها كانت تبحث عن نهاية للهروب من واقع لم تعد تطيقه، لكنها فشلت فى كل مرة، لتبقى عالقة بين الحياة والرغبة فى الهروب منها.
فى تلك الليلة، لم يكن هناك ما ينبئ بما سيحدث، يوم عادى، وعشاء بسيط داخل منزل الأسرة، وطفل صغير ينام مطمئنًا إلى جوار أمه، لكن داخل تلك الأم، كانت تتراكم مشاعر متضاربة من الغضب، واليأس، والرفض، حتى بلغت ذروتها، فى لحظة واحدة، غابت فيها كل المعانى، وحضر فيها فقط قرار مأساوى.
بعد أن انتهت من تناول الطعام، توجهت إلى المطبخ، وأحضرت سكينًا، لحظات قليلة فصلت بين التفكير والفعل، لكنها كانت كافية لتغيير كل شىء، اقتربت من رضيعها، وسددت له طعنات فى الرأس، فى مشهد يصعب تصوره أو استيعابه، لم يكن الطفل طرفًا فى أى خلاف، ولم يكن قادرًا حتى على البكاء دفاعًا عن نفسه، لكنه كان الضحية الأضعف فى معادلة قاسية.
عقب الواقعة، لم تصمت الأم طويلًا، خرجت تصرخ، محاولة إقناع من حولها بأن طفلها سقط من علٍ، كان صوتها مليئًا بالذعر، أو ربما بمحاولة التماسك، حاولت إخفاء أداة الجريمة داخل المنزل، ومسحت آثار الدماء بقطعة قماش صغيرة تخص الرضيع نفسه، وكأنها تحاول محو ما حدث، أو تأجيل اكتشافه.. لكن الحقيقة، كما يحدث دائمًا، وجدت طريقها إلى الظهور.
نُقل الرضيع إلى المستشفى فى محاولة لإنقاذه، لكن إصاباته كانت قاتلة، وفارق الحياة متأثرًا بها، ومع بدء الفحص والتحريات، بدأت الشكوك تتزايد، لتكشف الأجهزة الأمنية خيوط الواقعة تدريجيًا، وان إصابته لم تكن نتيجة سقوط من علو، بل جريمة داخل جدران المنزل، ارتكبتها الأم نفسها.
أمام جهات التحقيق، انهارت المتهمة، واعترفت بتفاصيل ما حدث، وقالت إنها لم تعد ترغب فى أى شىء يربطها بزوجها، وإن طفلها كان ذلك الرابط الذى لم تستطع تحمله.. كلمات صادمة، لكنها تعكس حجم الاضطراب الذى كانت تعيشه، وحالة الانفصال التام عن الواقع التى وصلت إليها.
التحريات أكدت أن المتهمة حاولت فى وقت سابق إنهاء حياتها، لكنها فشلت، قبل أن تتجه إلى هذا الفعل المأساوى، لم تكن الجريمة وليدة لحظة فقط، بل نتيجة تراكم طويل من الضغوط النفسية والاجتماعية، التى لم تجد من يحتويها أو يوقفها عند حدها.
الأجهزة الأمنية تمكنت من ضبط المتهمة، وتحرير محضر بالواقعة، فيما باشرت النيابة العامة التحقيقات لكشف كافة الملابسات، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقها، وبينما تستكمل التحقيقات، تبقى القصة مفتوحة على أسئلة أكبر من مجرد واقعة جنائية.
فى الكوم الأحمر، خيم الحزن على وجوه الأهالى، الذين لم يجدوا تفسيرًا لما حدث. كيف يمكن لأم أن تتحول إلى خصم لطفلها؟ وكيف يمكن للخلافات الأسرية أن تصل إلى هذا الحد؟ أسئلة تتردد فى صمت، دون إجابات كافية.
ليست هذه مجرد جريمة، بل مأساة إنسانية تكشف هشاشة بعض النفوس حين تُترك وحيدة فى مواجهة الألم، أما الرضيع، فقد رحل دون أن يفهم شيئًا مما دار حوله.. رحل بصمت، تاركًا خلفه قصة موجعة، تذكّر الجميع بأن بعض الجروح لا تُرى، لكنها قد تكون الأخطر على الإطلاق.


















0 تعليق