يقول الحق سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ»، ويقول سبحانه: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا»، فبعد ذكر الصفات العامة من الإسلام والإيمان والقنوط الذى هو مطلق الطاعة والخضوع والانقياد لأمر الله عز وجل، بدأت الآية الكريمة بذكر الصادقين والصادقات، مقدمة صفة الصدق على ما سواها من الصبر والصدقة والصوم وحفظ الفرج وذكر الله تعالى.
ويقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الصِّدقَ يَهدى إلى البِرِّ وإنَّ البِرَّ يَهدى إلى الجنَّةِ وإنَّ الرَّجلَ ليصدقُ ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللَّهِ صدِّيقًا»، فالصدق والإيمان قرينان، وقد عرف بعض أهل العلم الإيمان بالصدق، فقال: الإيمان هو أن تقول الصدق فى موطن تظن أنه لا ينجيك منه إلا الكذب، لشدة ثقتك فى الله عز وجل وإيمانك بأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك.
ويقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «أربعٌ إذا كُنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدُّنيا حفظُ أمانةٍ وصدقُ حديثٍ وحسنُ خُلقٍ وعِفَّةٌ فى طُعمةٍ».
وكما تطلب الإسلام الصدق فى الأقوال تطلب الصدق فى الأفعال، يقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما فى بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما».
وقد تحدث القرآن الكريم عن لسان الصدق ومدخل الصدق ومخرج الصدق وقدم الصدق ووعد الصدق ومبوأ الصدق.
١- لسان الصدق وهو الثناء الحسن الجميل والسيرة العطرة التى تكون قدوة صالحة، حيث يقول سبحانه على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام «وَاجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الْآخِرِينَ»، ويقول سبحانه: «فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا».
٢- وعد الصدق، حيث يقول سبحانه: «أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِى أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُوا يُوعَدُونَ».
٣- مدخل الصدق وهو كل مكان تدخله فى طاعة الله عز وجل، ومخرج الصدق وهو كل خروج تخرجه فى طاعة الله عز وجل، يقول سبحانه: «وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا»، وقال بعضهم: المدخل هنا الجنة، وقال بعضهم: الإسلام، وقال بعضهم: دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة وخروجه صلى الله عليه وسلم من مكة.
٤- قدم الصدق، والمراد به قدوم صدق أو مقدم صدق، أى مقدم رضا على الله عز وجل، حيث يقول سبحانه: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ»، قال المفسرون: إنها أعمالهم الصالحة التى تقدمهم من صلاة وصيام وذكر وسائر أعمالهم الصالحة.
٥- مبوأ الصدق، وهو المنزل الكريم، حيث يقول سبحانه: «وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِى إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُإِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»، أنزلهم الله منزلا كريما فى الدنيا، وكانوا مجمعين على ما بشرت به كتبهم بنبوة نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بعثه الله تعالى وجاءهم العلم ببعثته اختلفوا فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه والله قاضٍ يوم القيامة بين هؤلاء وأولئك.
الأستاذ بجامعة الأزهر


















0 تعليق