في ظل تصاعد غير مسبوق للأزمات الإقليمية، وتنامي حدة التوترات التي تعصف بعدد من دول الشرق الأوسط، تفرض الأزمة السودانية نفسها كواحدة من أخطر وأعقد الملفات المطروحة على الساحة، لما تحمله من تشابكات داخلية وامتدادات إقليمية تهدد بتقويض استقرار المنطقة بأكملها.
وتكتسب هذه الأزمة زخما إضافيا في ضوء التحركات والمواقف الإقليمية، لا سيما الموقف المصري الذي عبر عنه وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وصون مؤسساته الوطنية، مع التشديد على أهمية التوصل إلى هدنة إنسانية تمهيدا لوقف مستدام لإطلاق النار، بما يتيح نفاذ المساعدات الإنسانية وتخفيف المعاناة عن الشعب السوداني، وتهيئة المناخ لإطلاق مسار سياسي شامل بملكية سودانية خالصة. كما شدد على ضرورة دعم مؤسسات الدولة السودانية والحفاظ على تماسكها، ووقف استهداف المدنيين والمنشأت والبنية التحتية، بما يحول دون مزيد من التدهور ويصون استقرار السودان ووحدته.
في هذا السياق، أجرت "الوفد" حوارا خاصا مع وزير الخارجية السوداني السابق علي يوسف الشريف، الذي قدّم قراءة تحليلية معمقة لطبيعة ما يجري في السودان والمنطقة محذرا من مخططات تستهدف تفكيك الدول العربية وإعادة تشكيل خريطة التوازنات الإقليمية.
في البداية.. كيف تقرأ المشهد الحالي في السودان؟
المشهد في السودان لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، فما يحدث اليوم هو امتداد لسلسلة من الأزمات التي تشهدها المنطقة منذ سنوات. نحن أمام حالة من السيولة السياسية غير المسبوقة، تتداخل فيها العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية بشكل واضح. ما يجري في السودان هو جزء من نمط متكرر شهدناه في دول أخرى مثل ليبيا واليمن، حيث يتم إضعاف مؤسسات الدولة الوطنية وإدخالها في دوائر من الصراع المستمر، بما يؤدي في النهاية إلى تفتيتها.
هل تقصد أن هناك مخططًا أوسع يستهدف المنطقة؟
بالتأكيد هناك مؤشرات واضحة على وجود مخطط لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، والمستفيد الأول من هذه الحالة هو إسرائيل. حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي نشهدها اليوم تصب بشكل مباشر في صالح تعزيز النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، في ظل تراجع دور بعض الدول العربية وانشغالها بأزماتها الداخلية. لذلك، لا يمكن التعامل مع ما يحدث على أنه مجرد أزمات منفصلة، بل يجب النظر إليه كجزء من رؤية أشمل تستهدف تغيير موازين القوى الإقليمية.
وكيف ترى ارتباط الأزمة السودانية بما يحدث في دول أخرى؟
الارتباط واضح وقوي إذا نظرنا إلى ما حدث في ليبيا واليمن، سنجد نمطا متشابها من التحديات، سواء على مستوى التدخلات الخارجية أو محاولات إضعاف الدولة من الداخل. السودان ليس استثناء من هذا السياق، بل هو جزء منه. حتى مسألة تقسيم السودان قبل سنوات تعكس هذا التوجه، وهو ما يؤكد أن هناك استمرارية في هذه السياسات التي تستهدف بنية الدولة الوطنية العربية.
ما تقييمك للدور المصري في التعامل مع الأزمة السودانية؟
الدور المصري يعكس إدراكا عميقا لخطورة المرحلة. ومصر تتحرك على أكثر من مسار، سواء سياسي أو دبلوماسي، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية ودعم فرص التسوية وهذا التحرك لا يأتي فقط من منطلق الجوار الجغرافي، بل من فهم استراتيجي بأن استقرار السودان يمثل جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
كيف تنظر إلى الموقف المصري من حيث الخطوط الحمراء؟
الموقف المصري واضح وثابت، وهناك تأكيد على أن وحدة السودان وسلامة أراضيه تمثلان خطوطا حمراء لا يمكن التهاون بشأنها. هذا الموقف يعكس انتقالًا من مرحلة التحذير والدعوات الدبلوماسية إلى مرحلة أكثر حسمًا في حماية المصالح الاستراتيجية. فاستقرار السودان يرتبط بشكل مباشر بأمن الحدود الجنوبية لمصر، وكذلك بأمن البحر الأحمر والتوازنات في القرن الأفريقي وحوض النيل.
هل يحظى هذا الدور بقبول داخل السودان؟
نعم، يحظى بتقدير واسع داخل الأوساط السودانية وهناك إدراك بأن الدور المصري يتسم بالتوازن ويستند إلى روابط تاريخية واستراتيجية عميقة بين الشعبين. كما أن مصر تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات الإقليمية، وهو ما يعزز من فرص نجاح جهودها في دعم الاستقرار في السودان.
شهدنا مؤخرا تحركات دبلوماسية مصرية مهمة.. كيف تقيمها؟
هذه التحركات تعكس رؤية استراتيجية لإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية بما يخدم الاستقرار أبرزها، لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مستشار الرئيس الأمريكي للشئون العربية والإفريقية مسعد بولس لحل الأزمة في السودان من خلال هدنة إنسانية وخطة سلام شاملة تتفق عليها الأطراف المعنية، أيضا لقاء سابق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والذي كان خطوة مهمة نحو تخفيف حدة التوترات وإعادة بناء جسور التعاون. كذلك، هناك تنسيق وثيق مع المملكة العربية السعودية في التعامل مع الملفات الإقليمية، وهو ما يشكل عنصر توازن مهم في ظل التحديات الراهنة.
وماذا عن الدور العربي بشكل عام؟
التنسيق العربي الإقليمي أصبح ضرورة وليس خيارا في ظل حالة السيولة السياسية الحالية، ولا يمكن لأي دولة أن تواجه التحديات بمفردها ولذلك المطلوب هو تعزيز العمل العربي المشترك وتوحيد الرؤى لمواجهة المخاطر التي تهدد استقرار المنطقة. هذا النوع من التنسيق يسهم في احتواء الأزمات ومنع اتساع نطاقها.
كيف ترى الموقف الأوروبي من قضايا المنطقة؟
هناك تحول ملحوظ في بعض المواقف الأوروبية، ويمكن اعتباره بادرة إيجابية لكن في الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه المواقف عن السياسات الأمريكية، التي تظل العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل التوجهات الدولية تجاه المنطقة وأي تغيير حقيقي ومستدام يتطلب وجود إرادة سياسية لإعادة صياغة أسلوب التعامل مع أزمات الشرق الأوسط على أساس احترام سيادة الدول والحفاظ على وحدة أراضيها.
في ظل هذه التحديات.. ما المطلوب عربيا في المرحلة المقبلة؟
نحن بحاجة إلى توحيد رؤية عربية مشتركة تستوعب حجم التحديات التي تواجه المنطقة وهذه الرؤية يجب أن تقوم على حماية الدولة الوطنية وتعزيز مؤسساتها، مع العمل على معالجة جذور الأزمات وليس فقط التعامل مع نتائجها كما أن هناك ضرورة لتعزيز أليات التعاون السياسي والاقتصادي بين الدول العربية. شهدت الفترة الأخيرة نشاطا مكثفا للألية الخماسية المعنية بحل الأزمة السودانية، والتي تضم الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيجاد والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي.
كيف تقيمون هذا التحرك؟
أعتقد أن تحرك الألية الخماسية يعكس إدراكا دوليا وإقليميًا متزايدا لخطورة الوضع في السودان، خاصة في ظل استمرار التدهور الإنساني والأمني. هذه الآلية تضم أطرافًا لها ثقل سياسي ودبلوماسي، وهو ما يمنحها القدرة على التأثير في مسار الأزمة، لا سيما من خلال المشاورات التي تجريها مع مختلف القوى السياسية السودانية.
لكن في الوقت ذاته، يجب التأكيد على أن نجاح هذه الجهود يظل مرهونا بمدى قدرتها على تجاوز حالة التباين في الرؤى بين مكوناتها، فضلًا عن ضرورة احترام مبدأ الملكية السودانية للحل، بحيث يكون الدور الخارجي داعمًا وميسرًا، وليس بديلًا عن الإرادة الوطنية كما أن أي تسوية حقيقية ومستدامة تتطلب توافقا داخليا بين الأطراف السودانية، إلى جانب تهيئة مناخ ملائم يشمل وقف إطلاق النار وتحسين الأوضاع الإنسانية.
بالتالي، يمكن القول إن دور الألية مهم، لكنه يظل جزءا من منظومة أوسع من الجهود، ولن يحقق النتائج المرجوة إلا إذا توافر التنسيق الفعال بين مختلف الأطراف، داخليا وخارجيا مع وجود إرادة سياسية حقيقية لإنهاء الأزمة والحفاظ على وحدة السودان واستقراره.
وأخيرا.. كيف ترى مستقبل السودان؟
مستقبل السودان يرتبط بقدرة أبنائه على تجاوز الخلافات الحالية والعودة إلى مسار الدولة الوطنية المستقرة و الدعم الإقليمي، خاصة من الدول العربية وعلى رأسها مصر، يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في هذا السياق. في النهاية، استقرار السودان ليس شأنا داخليا فقط، بل هو جزء من استقرار محيطه العربي والأفريقي، وأي تهديد له ينعكس على المنطقة بأكملها.


















0 تعليق