قراءة فى «أغالب مجرى النهر» لـسعيد خطيبي
لا أتعامل مع الجوائز الأدبية بوصفها معيارًا حاسمًا للقيمة، بقدر ما أتعامل معها كإشارة تستحق التوقف. هى بالنسبة لى ليست «حكمًا» على نص، بل لحظة تدفعنى لإعادة اختبار علاقتى بمشروعى القرائى ذاته؛ لماذا يُلتفت إلى هذا النص الآن؟ وما الذى يقدمه خارج لحظة التتويج؟
من هذا المنظور، جاء فوز رواية «أغالب مجرى النهر» لـ سعيد خطيبى بـالجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر» لعام 2026 بوصفه دعوة لقراءة نص يراهن فى تقديرى على الاتزان أكثر مما يراهن على المفاجأة، وعلى البناء المتماسك أكثر مما يراهن على الهزات السردية أو القفزات العالية.
تدور الرواية حول «عقيلة تومى»، طبيبة العيون الجزائرية التى تجد نفسها فجأة فى موقع الاتهام بقتل زوجها، فى حادثة تبقى ملتبسة منذ البداية. لا تتقدم الحكاية بوصفها تحقيقًا جنائيًا تقليديًا، بل بوصفها مسارًا متشعبًا داخل الذاكرة، حيث تستعيد «عقيلة» تفاصيل حياتها وعلاقاتها كاملة.
منذ الصفحات الأولى، يتضح أن الرواية تختار الإيقاع الهادئ بوصفه خيارًا جماليًا ومنهجيًا فى آن. كل شيء فيها يبدو مضبوطًا؛ توزيع السرد، حركة الأزمنة، وطريقة بناء الشخصيات.
تقوم الرواية على مسارين رئيسيين يتوازيان دون أن يندمجا بالكامل؛ «عقيلة»، طبيبة العيون التى تُتهم بقتل زوجها، والأب الخارج من تجربة الثورة الجزائرية؛ حيث يتحول الماضى من سردية بطولية مفترضة إلى ذاكرة مضطربة قابلة للتشكيك بل والخيانة، هذا التوازى لا يبدو مجرد بنية شكلية، بل هو فى جوهره طريقة فى التفكير داخل الرواية ذاتها.
فى مسار «عقيلة»، لا تتصدر الجريمة بوصفها لغزًا بوليسيًا، بل تتحول إلى مدخل لفهم علاقة مضطربة بين الرؤية والمعرفة. كونها طبيبة عيون يجعل المفارقة أكثر كثافة؛ مَنْ تُعالج البصر تبدو عاجزة عن تثبيت ما تراه أو فهمه بشكل نهائى. فما يتكرر على لسان «عقيلة» بصيغ مختلفة داخل العمل؛ هو أن ما نراه لا يتطابق بالضرورة مع ما نفهمه. هذه الفكرة تبدو لى المفتاح الحقيقى الذى ينظم هذه التجربة الروائية كلها، حتى حين لا تُقال بشكل مباشر.
أما مسار الأب، فقد وجدته أكثر تماسًا مع مادة سردية حية. الرجل الذى خرج من تجربة الثورة الجزائرية لا يعود بوصفه بطلًا أو خائنًا، بل بوصفه أثرًا بشريًا أعادت الذاكرة تشكيله مرارًا. هنا تتخلى الرواية عن الحاجة إلى الأحكام، وتقترب أكثر من منطقة رمادية، وهى فى تقديرى من أكثر مناطقها قوة.
العلاقة بين الأب والابنة لا تُبنى على مواجهة مباشرة، بل على توازٍ صامت يتشكل عبر الزمن. كل منهما يعيش شكله الخاص من مقاومة التهمة الموجهة إليه،هذا التوازى يعمل بهدوء، لكنه فعال فى تشكيل البنية العميقة للرواية.
على مستوى البناء، تعتمد الرواية على تفكيك الزمن وإعادة تركيبه بدل تقديمه خطيًا. هذا الخيار يمنحها عمقًا تأمليًا واضحًا، لكنه فى المقابل يخفف من ضغط الحدث لصالح الفكرة. أحيانًا بدا لى هذا الخيار محسوبًا بدقة، وأحيانًا أخرى شعرت أنه يحد من إمكان الوصول إلى ذروة سردية أكثر حدة.
أما اللغة، فهى واحدة من أكثر عناصر الرواية ثباتًا؛ هادئة، منضبطة، تميل إلى الاقتصاد وتبتعد عن الاستعراض. هذا الاتزان يخدم طبيعة النص، لكنه يجعل بعض المقاطع تمر دون أثر انفعالى قوى، كأن الرواية تفضل عدم تجاوز حدها الداخلى.
الرواية لا تقدم عالمها السردى بوصفه فضاءً مكتمل المعالم أو مشغولًا بتفاصيل محددة للأسماء والأمكنة، بقدر ما تتركه فى حالة تقشف مقصود. فالشخصيات الأساسية وفى مقدمتها «عقيلة» و«مخلوف» تبدو أقرب إلى مراكز دلالية تتحرك داخلها الأسئلة، أكثر من كونها شخصيات روائية تقليدية محكومة بسيرة ممتدة وتفاصيل خارجية مكتملة. حتى الفضاء المكانى، رغم ارتباطه العام بـالجزائر العاصمة، لا يُقدم كخريطة واقعية بقدر ما يُستحضر كطبقات زمنية وذاكرية متداخلة.
تظل فكرة «تعدد الحقيقة» هى الخلفية الفكرية التى تنظم النص كله. لا توجد رواية واحدة للحدث، بل طبقات من السرد يمكن إعادة قراءتها باستمرار. ومع ذلك، لا يصل النص إلى تفكيك جذرى لليقين، بل يبقى فى منطقة وسطى بين الشك والتوازن.
خرجت من الرواية بإحساس مزدوج؛ تقدير واضح لبنائها المتماسك وقدرتها على إنتاج التباس محسوب، مقابل شعور شخصى بأنها تختار دائمًا البقاء داخل حدود آمنة نسبيًا، حتى وهى تشتغل على موضوعات قابلة لمخاطرة سردية أكبر. ليست رواية ضعيفة، لكنها رواية تعرف جيدًا أين تتوقف، لا أعيب ذلك على الكاتب؛ فقد فعلته أنا أيضًا!!
ولهذا أرى أن فوز «أغالب مجرى النهر» يمكن فهمه ضمن منطق كتابة عربية معاصرة تُعلى من قيمة التماسك والاتزان، أكثر مما تُراهن على الصدمة أو الانفجار السردى. كتابة تمشى بثبات، وتترك أثرها بالتدرج، لا بالمباغتة.
















0 تعليق