عبد الرحمن الأبنودى: شاعر الشارع وصوت الفلاحين

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في حوار نشرته مجلة المصور عام 1968، جلست مع الشاعر الشعبي عبد الرحمن محمود أحمد عبد الوهاب، المعروف بالأبنودى، في منزله الذي أجهدني العثور عليه، ولم أوفق في مقابلته إلا في المحاولة الخامسة. الرجل دائم التنقل بين القرى والنجوع، يقف وسط الفلاحين والكادحين، يغني لهم أشعاره بأسلوب يعرفونه ويفهمونه، ويشعرون معه بكل كلمة ينطقها، وكأنها جزء من حياتهم اليومية، جلست مع الأبنودى لأعرف حكايته، لأفهم ما الذي يقف عليه، وإلى أين يتجه، وما الذي يقدمه للناس، وما سر نشاطه وحيويته وقلقه، وما الأرض التي منحته صوته وهويته، فأجابني بلهجته الصعيدية الأصيلة، التي لم تذل منها السنوات الست التي قضاها في القاهرة، وصوته الذي يشبه خليطًا من عذاب الساقية وهمسات الرياح:

ببساطة وبلهجته الصعيدية الأصيلة، أجابني الأبنودى، صوته يحمل صدى العذاب والجهد مثل هدير مياه السد: «أنا المواطن عبد الرحمن محمود أحمد عبد الوهاب من أبنود، ابن الشيخ الأبنودى في قنا، عمري ثلاثون سنة، لست شاعرًا بالمعنى التقليدي، وإنما أنا رجل من الشارع يحب الشعر والناس، شعري هو أنا، لا ألبس ثوبًا ليس لي».

 

وأضاف: «الشعر عندي وظيفة اجتماعية، مثلما يذهب العامل إلى المصنع والفلاح إلى الحقل ليقدموا إنتاجهم للآخرين، فإن علي كشاعر أن أنبت الشعر للناس، ليكون لهم قيمة وفائدة، الشعر ليس مجرد كلمات، بل حياة، وعليه أن يعكس معاناة ومشاعر الناس».

 

سألته عن الفرق بين الشاعر الشعبي والفصيح، فأجاب: «الشاعر الشعبي لا يكتب للرفاهية أو للتفاخر، بل يتبنى أحلام شعبه ويعبر عنها بصدق وأمانة، الشعب هو من يحدد مكانته، وعلى الشاعر أن يغوص في تراثه وتاريخه النضالي ليعيش مع معاناة الناس ويشعر بهم، عندها فقط يكون صادقًا».

 

وعن تجربته في القاهرة التي دامت ست سنوات، قال: «الوجوه في القاهرة تتلاقى وتختفي، لا علاقات حقيقية ببدايات أو نهايات، كل شيء عابر، بينما في القرى والأماكن الصغيرة يشعر الإنسان بأنه يعيش عمره كله قطعة واحدة متصلة، نابضة بالحياة، وليست أيامًا متناثرة كأوراق الشجر».

 

وأضاف الأبنودى: «أحيانًا أشعر أنني لا أجيد استخدام الكلمات العظيمة التي يتقنها المثقفون، وأخاف منها لأنها تخلق فجوة بيني وبين الجماهير، لكنني أرفض أن أفقد أصالتي، لأن تلك الصلابة التي حملتها معي من الصعيد تمنحني صدى حقيقيًا مع الناس، وتجعل شعري صادقًا وشفافًا».

 

وحول الوسط الفني، قال: «الوسط الفني سوق لها شروطها، ولكني لم أخضع لها، لم أقم بمحاولات كبيرة لنشر شعري في الصحف أو المجلات، لكن حين أنزل بين الناس، أشعر بأنني حي، وأن شعري يجد مكانه الطبيعي، هذه اللحظات هي ما يدفعني للاستمرار، ليبقى صوتي متصلًا بالواقع».

 

أما عن طموحه، فأكد: «أنا لا أسعى وراء الشهرة، بل أريد أن يكون شعري حاضرًا في حياة الناس اليومية، أن يعكس مشاكلهم وأحلامهم وأفراحهم، أرى الشعر أداة للتعبير عن النفس الجماعية، وعن هموم العمال والفلاحين، وعن قضايا الوطن».

 

واستعرض الأبنودى تجربته العملية في السفر بين القرى والنجوع، قائلاً: «الذهاب إلى الناس هو ما يجعلني شاعرًا حقيقيًا، لا أعيش في برج عاجي من الكلمات الجميلة، بل أتنفس هواءهم، وأستمع لهم، وأكتب من قلبهم ومن معاناتهم، وهكذا تصبح القصيدة مرآة للشعب، وليست مجرد كلمات على الورق».

 

وعن المستقبل، قال: «الشعر الشعبي يجب أن يستمر، يجب أن يكون صوت الجماهير، أن يكون مرآة الحياة، أن يعكس الفرح والحزن والنجاح والفشل، أنا أعيش بين الناس لأفهمهم وأعيش معهم، وأكتب عنهم، ولأنني أعرف أن أي شاعر ينفصل عن شعبه يفقد روحه».

 

ختم الحوار قائلاً: «أنا الأبنودى، شاعر بسيط من أبنود، أصله من الصعيد، أعيش بين الناس، أكتب لهم، وأغني لهم، بلا رتوش، بلا زينة، صادقًا في كل كلمة، حتى لو لم تفهمها الأوساط الأدبية، فهي تفهمها قلبي وقلوب الناس».

 

بهذه الكلمات، يظهر الأبنودى كشاعر الشعب الأصيل، رجل من الأرض والفلاحين، يحمل هموم الناس في قلبه، ويحولها إلى أشعار نابضة بالحياة، بعيدة عن التظاهر والزخارف، شاعراً صادقًا وملتزمًا برسالته، يربط بين تجربة حياته ومعاناة من حوله، ليظل الصوت الشعبي حيًا بين الناس، متنفسهم ومرآتهم في كل زمان ومكان.

أخبار ذات صلة

0 تعليق