أنت لا تعيش... أنت تؤجّل

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

هناك لحظات، يا صديقي القارئ، لا تُقاس بالثواني، بل بما تتركه في روحك. تمرّ كنسمة خفيفة، لكنها تهزّك من الداخل أكثر مما تهزّك سنوات كاملة من الركض والانشغال. والغريب، يا عزيزي، أننا نقضي أعمارنا نُخطّط للغد، ونُرمّم ما سقط بالأمس، بينما اللحظة التي نعيشها الآن تذوب بين أيدينا دون أن نلمسها، وكأننا نمرّ بالحياة دون أن نعبرها حقًا.

نحن نعيش في عالم يدفعنا بلا رحمة نحو «التالي»: المهمة التالية، الهدف التالي، الإنجاز التالي. لكن قل لي بصدق، يا صديقي، ماذا عن «الآن»؟ ماذا عن هذه اللحظة التي تمرّ بك الآن وأنت تقرأ؟ كم مرة عشتها فعلًا كما هي؟ أحيانًا، كل ما يحتاجه الإنسان ليفهم نفسه هو دقيقة واحدة صادقة، دقيقة لا يهرب فيها من ماضيه، ولا يركض فيها خلف مستقبله، بل يقف... ويكون.

ولعلّ أجمل ما في اللحظة، يا عزيزي، أنها لا تجامل. لا تُزيّف، ولا تُخفي، ولا تترك لك مساحة للهروب. اللحظة تقول لك من أنت الآن، لا من كنت، ولا من تتمنّى أن تكون. وفي هذا الصدق الصامت، يحدث الاكتشاف الحقيقي. كم مرة شعرت أن الزمن توقف فجأة؟ أن كل شيء من حولك صمت، وبقي إحساس واحد يملأك؟ تلك ليست لحظات عابرة كما تظن، يا صديقي... تلك إشارات تقول لك: انتبه، هذه حياتك.

الحياة، حين ننظر إليها بصدق، ليست سنوات طويلة كما نظن، بل لحظات قصيرة مكثّفة. لحظات نضحك فيها من القلب، نتألّم فيها بعمق، أو نسمع فيها كلمة تغيّرنا دون أن نشعر. وفي كل مرة نكون فيها حاضرين فعلًا، نكتشف أن الزمن ليس نهرًا يجرفنا، بل مساحة نعيشها ونلمسها ونتنفسها بوعي.

أن تكون في حضرة اللحظة، يا صديقي، ليس رفاهية كما يظن البعض. أن تكون حاضرًا يعني أن تعيش بدل أن تنجو فقط. أن تُنصت لصوتك الداخلي دون تشويش، أن تنظر حولك وكأنك ترى العالم لأول مرة، أن تشرب قهوتك ببطء دون أن تسرقك الأفكار، أن تسمع قلبك دون أن تفرّ منه. اللحظة ليست شيئًا إضافيًا في حياتك... اللحظة هي حياتك.

وفي النهاية، يا عزيزي القارئ، لن نتذكّر كل الأيام، ولن تبقى معنا كل التفاصيل، لكن ستبقى تلك اللحظات التي كنّا فيها أحياء بحق. اللحظات التي التقطت أرواحنا قبل أن نلتقط صورها، اللحظات التي همست لنا بهدوء: «توقّف... أنت هنا الآن... وهذا يكفي».

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق