الحرب الإيرانية والقصة التي لا يرويها أحد

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تخيل أنك تبدأ يومك بتصفح الأخبار فتصطدم بعناوين تصرخ في وجهك إيران تهدد بإغلاق هرمز، وإسرائيل تضرب العمق، والأساطيل الأمريكية تستنفر في الخليج، تشعر لوهلة أن العالم يقف على أطراف أصابعه، وأن الحرب العالمية الثالثة قد تبدأ بضغطة زر خاطئة، ولكن هل سألت نفسك يوماً: هل يعقل أن كل هذا الضجيج العالمي، وهذه المليارات التي تُنفق، والتحركات العسكرية الضخمة، سببها مجرد قنبلة قيد التصنيع أو ممر مائي ضيق؟
في الحقيقة يا صديقي أن القصة أعمق بكثير مما يظهر في صياح الساسة أو وكالات الأنباء، نحن هنا لا نتحدث عن صراع عسكري تقليدي، بل عن معركة خفية على مفاتيح الطاقة في القرن الجديد، فإيران لا تبحث فقط عن النووي بل تحاول أن تكون هي صاحبة المفتاح في المنطقة وفي المقابل، لا تبدو أمريكا مستعدة أبداً للتنازل عن لقب حارس الخزنة، فهي حرب نفوذ، وخرائط، ومستقبل يُرسم خلف الأبواب المغلقة.

دعنا نترك العناوين الصاخبة جانباً، ونبدأ الحكاية من جذورها الحقيقية.

ففي القرن العشرين كانت معادلة القوة في هذا العالم بسيطة وواضحة لدرجة أنك تستطيع شرحها لطفل في العاشرة من عمره وهي أن من يملك آبار النفط يملك العالم بكل بساطة، أمريكا كانت أذكى من الجميع وفهمت هذه القاعدة قبل غيرها فبنت تحالفات استراتيجية عميقة مع دول الخليج وزرعت قواعدها العسكرية في كل زاوية ومنعطف ثم جعلت العالم كله مجبراً على دفع ثمن هذا النفط بالدولار حتى صار الدولار هو الملك الحقيقي الذي يحكم العملات، في تلك الحقبة لم تكن إيران استثناءً بل كانت مجرد دولة غنية بالنفط تؤدي دورها المرسوم في المسرحية الأمريكية تبيع خامها وتشتري سلاحها وتتحرك داخل الفلك المرسوم لها بعناية.

ولكن مع بدايات القرن الحادي والعشرين حدثت ثورتان خفيتان لم يلحظهما الكثيرون حيث بدأ العالم يدرك فجأة أن عصر النفط لن يدوم للأبد وأن المستقبل سيبنى على أكتاف الطاقة النظيفة والمتقدمة، في الوقت نفسه كانت هناك دول بدأت تستوعب أن القوة الحقيقية لم تعد تكمن في امتلاك مصدر الطاقة نفسه بل في القدرة على التحكم في مسارات تدفقه، إيران كانت من أوائل من التقطوا هذه الإشارة وفهموا المعادلة الجديدة بعمق فبدأت تطرح على نفسها أسئلة صعبة عن جدوى امتلاك آبار ضخمة بينما يتحدد سعر برميلك في بورصة نيويورك أو قيمة تصدير النفط والناقلات تمر مجبرة تحت فوهات المدافع الأمريكية بل وما نفع الثروة إذا كانت تكنولوجيا استخراجها محتكرة لدى الغرب، ومن هنا قررت إيران التوقف عن طرح الأسئلة وبدأت في تنفيذ خطة هي الأجرأ والأكثر تعقيداً في تاريخها.

فقررت إيران أن الوقت قد حان للتوقف عن لعب دور التابع الذي يكتفي ببيع الخام وقررت ببساطة وجرأة أن تتحول من مجرد بائع للنفط إلى صاحب المفتاح الذي يتحكم في تدفق طاقة العالم ولتحقيق هذا الحلم رسمت طهران خطة ذكية اعتمدت فيها على محورين يكملان بعضهما البعض، المحور الأول اعتمد على الجغرافيا التي منحتها شيئاً لا تملكه حتى القوى العظمى وهو مضيق هرمز فمن هذا الممر الضيق يعبر يومياً نحو عشرين بالمئة من نفط العالم وثلث إمدادات الغاز المسال ما يعني أن من يسيطر على هذا الباب يمسك برقبة الاقتصاد الدولي والحقيقة أن إيران كانت أذكى من أن تعلن إغلاق المضيق لأن ذلك يعني انتحاراً عسكرياً بل اتبعت استراتيجية نفسية تجعلك تشعر طوال الوقت بأنها قادرة على إغلاقه في أي لحظة وهذا الفرق البسيط هو الذي يمنحها قوة جبارة في أي مفاوضات سياسية، أما المحور الثاني فهو الجزء الذي يغفله أغلب المحللين حيث تسعى إيران سراً وعلانية للتحرر من عبودية النفط والوصول إلى تكنولوجيا الطاقة المستقبلية من خلال وقود (HALEU) والمفاعلات الصغيرة (SMR)، ولتبسيط الأمر تخيل أن وقود HALEU هو بمثابة (بنزين سوبر) عالي الكفاءة للمفاعلات النووية الحديثة، أما SMR فهي عبارة عن بطاريات نووية عملاقة تُصنع في المصانع وتعمل لعشرين سنة دون توقف، فحصول إيران على هذه التكنولوجيا يعني أنها ستدير مصانعها ومدنها لعقود دون الحاجة لقطرة نفط واحدة أو الخوف من أي عقوبات اقتصادية، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية التي تحاول روسيا والصين الاستثمار فيها وتخشاها أمريكا بكل قوتها.

وحينما يخرج الرئيس الأمريكي أو وزير خارجيته للحديث بنبرة حادة عن الخطر النووي الإيراني فهم في الحقيقة لا يقصدون تلك القنبلة التي تشغل بال الإعلام فدعني أقول لك شيئاً قد يدهشك وهو أن إسرائيل تملك ترسانة نووية ضخمة منذ السبعينيات وباكستان والهند انضمتا لنادي الكبار منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى كوريا الشمالية تمتلك قنابلها الخاصة منذ سنوات طويلة ومع ذلك لم تعلن أمريكا الحرب على أي من هذه الدول بسبب سلاحها النووي فلماذا إيران تحديداً هي التي تثير كل هذا الذعر في واشنطن؟
فالإجابة تكمن في كابوس واحد يلاحق الإدارة الأمريكية وهو فقدان السيطرة المطلقة فما يزعج واشنطن حقاً ليس انفجاراً نووياً بل نجاح إيران في تشغيل مفاعلاتها الصغيرة بوقود محلي الصنع مما يعني أنها ستعلن للعالم يوماً ما أنها لم تعد بحاجة لتصدير نفطها أو الخضوع لتقلبات أسعاره لأن اقتصادها ببساطة أصبح يعمل بالطاقة النووية المستقلة بل والأدهى من ذلك أنها قد تبدأ بتصدير هذه التكنولوجيا لدول أخرى مثل العراق وسوريا وفنزويلا وفي هذا العالم الجديد ستصبح العقوبات النفطية التي تشهرها أمريكا مجرد حبر على ورق وستتحول إيران إلى قوة إقليمية كبرى لا ترهن قرارها لأحد بينما تتعزز شراكتها مع الصين وروسيا لتخلق قطباً جديداً ينهي الهيمنة الأمريكية على الخليج تدريجياً.

هذا السيناريو هو المستقبل الذي تحاربه أمريكا بكل قوتها اليوم لأن إمبراطوريتها قامت بالأساس على قاعدة ذهبية تقول بأن من يتحكم في طاقة العالم يتحكم في العالم نفسه، فإذا فقدت واشنطن هذا المفتاح فما الذي سيبقى من نفوذها إذ ستفقد القواعد العسكرية في المنطقة معناها، وسيتحول الأسطول الخامس إلى مجرد سفن عائمة بلا مهمة حقيقية وسيهتز عرش الدولار الذي يستمد قوته من ارتباطه بالنفط، ولهذا السبب تحديداً تبدو أمريكا مستعدة لعمل أي شيء من العقوبات الخانقة إلى الضربات السرية ليس خوفاً من قنبلة تدمر مدينة بل خوفاً من استقلال طاقوي يدمر إمبراطورية.

فالقصة ليست مجرد صراع على حدود أو قنابل، بل هي سباق نحو الذهب الجديد، فإيران تدرك أن امتلاك وقود HALEU هو بمثابة الحصول على بنزين فائق، لا ينفد ولا يخضع لجنون الأسعار، وأن تشغيل مفاعلات SMR الصغيرة يعني امتلاك بطاريات سيادية تُؤمّن مستقبلها لعشرين سنة قادمة دون الحاجة لرضا أحد، وهذا هو الجوهر الذي لا تقوله النشرات الإخبارية، فإيران تحلم بدولة محصنة تكنولوجياً لا يكسرها حصار، وأمريكا ترى في هذا الاستقلال كابوساً ينهي عصر هيمنتها على طاقة الكوكب وبين هذا الحلم وذاك الكابوس، يبقى الصراع مستمراً، ليس لأن أحداً يريد ضغط الزناد، بل لأن الجميع يريد الإمساك بالمفتاح.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق