وضعت الحرب أوزارها بالتعبير القرآنى، فزفرت الصدور طمأنينة، ورفرفت عصافير البرارى رضا، واستمسك الناس بآمال السلام، وسريان المنافع والأشغال واستعادة الأرزاق، لكن ظل هناك سؤالاً حائراً غائظاً يدق أبواب عقولنا هو: من الذى انتصر؟
بتعبير النظام الإيرانى، وهو بالمناسبة نظام قمعى متنوع المظالم شديد الاستبداد، فإن إيران صمدت أمام القصف الهيستيرى الإسرائيلى والأمريكى، وحافظت على استقرارها، وتماسك بنية المجتمع، ولم يسقط نظامها السياسى، وأثرت تأثيراً مباشراً فى الاقتصاد العالمى فغيرت نتائج الحرب توقعات النمو ودفعت الدول الكبرى لتعديل موازناتها. وهذا يعنى أنها انتصرت نصراً مبيناً.
وبتصور الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وهو بالمناسبة نموذج استثنائى لمستعمر مستغل منعدم القيم، متأرجح الرأى، فإن أمريكا حققت غاياتها من الحرب، إذ دفعت إيران للموافقة على التخلى تماماً عن برنامجها النووى، وتسليم اليورانيوم المخصب لديها، كما تم تدمير أكثر من 70 فى المائة من أنظمة الصواريخ لديها، ولم تعد تشكل تهديداً على الآخرين.
ولاشك فى أن كلا الجانبين يمكن أن يروج أمام الرأى العام لانتصارات مزعومة، يسوقها لصالحه، ويدعى بها قوته وحسن تدبيره وأحقيته فى القيادة والاستمرار. فكما يقول الشاعر معروف الرصافى «وقتلته بالقول لا بمهندى/ والحرب أحرى أن تكون مقالاً».
لكن الحقيقة المرة هى أننا كشعوب ورعايا وبشر ننتمى إلى العالم القديم، أو الشرق الأوسط، أو بلاد العرب، نعانى خمس سمات لافتة لم تتغير منذ عهود الاستقلال والحكم الوطنى.
أولى هذه السمات هى أننا لا نطرح طرحاً متفقاً عليه، ولا نوظف قوانا الاقتصادية والفكرية والدبلوماسية فى إعلان صوت واضح وموقف محدد يخص الخارطة السياسية للمنطقة. فالنخب البارزة فى بلادنا العربية لا تفكر فى الغد، فليس لدينا سيناريوهات للمستقبل، وليست لدينا خطط مشتركة، أو حلول للصراعات الأزلية أو حتى مقترحات. ناهيك عن أننا ليس لدينا قراءات موحدة للأوضاع الحالية، ولا للتاريخ المعاصر. فقد تعلمنا ألا نتعلم مما يحدث لدينا أو حولنا.
ثانى السمات هى أننا مازلنا أسرى الحقب الاستعمارية، ومازالت نظراتنا نحو الدول الكبرى هى نظرة إعجاب ممزوجة بتبعية وخضوع. وفى معظم صراعاتنا وأزماتنا ومشكلاتنا الإقليمية مازلنا نلجأ إلى الدول الغربية لتتدخل وتتوسط وتقرر.
ثالث السمات هى أن هناك انفصالاً تاماً وباتاً ودائماً بين الشعوب والحكومات. فالسلطة فى العام العربى لا تستمد قوتها من قواعد شعبية تؤمن بها وتساندها وتعتبرها ممثلا لإرادتها، وإنما تستمد قوتها من قدرتها على التحكم فى المعايش وأمور الاقتصاد، والقواعد الشكلية. والمؤسف وهو دائماً مؤسف، فإن السلطات لا تهتم بآراء الشعوب، ولا تنتظرها، ولا تطلبها.
السمة الرابعة هى أن لدينا أزمة كبيرة فى الهوية ممتدة منذ أكثر من قرن من الزمان، لم يتم حسمها بعد أو حتى حذفها من خرائط الصراع، وهى أزمة تتجاوز بلداً بعينه، فكل بلد عربى لا يستطع أن يقرر إن كان عربياً أم إسلام يا أم متوسطياً أم يمثل أهله فقط. وهذه القضية لا تزال تشكل الوعى العام المتضارب والمتناقض والمذبذب فى بلادنا.
السمة الخامسة هى أننا شعوب الكلام والشعارات والقصائد والخطب والبيانات، وأننا نقول ولا نفعل. نغنى ولا نفكر، نهتف ولا نبارح أماكننا. نرغى ولا نعمل.
والله أعلم.


















0 تعليق