السبت 18/أبريل/2026 - 01:37 م 4/18/2026 1:37:22 PM
يشهد العالم اليوم لحظة تحوّل نوعي في بنية القوة العسكرية والسياسية، تقف فيها تكنولوجيات الاتصالات في قلب المشهد. فخلال عقدين فقط، انتقلنا من عالم كانت فيه الاتصالات وسيلة داعمة للعمليات العسكرية والدبلوماسية، إلى واقع باتت فيه الشبكات الرقمية ومنظومات الاتصالات المشفرة والفضاءات السيبرانية عناصر مؤسسة لمفهوم الحماية، ولشكل الحرب، ولطرق إدارة النفوذ الدولي. مع تشكّل هذه الصورة الجديدة، تجد الدول العربية نفسها اليوم مطالَبة بالاختيار بين الاستثمار في تطوير قدراتها الرقمية، أو الارتهان لأنظمة تكنولوجية مستوردة تُدار وفق أجندات خارجية.
عامة، تعكس المؤشرات الرقمية حجم التحوّل المتسارع في بنية شبكات الاتصالات العالمية. فوفق بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات، أصبح نحو5.5 مليارات شخص، أي ما يقارب 68% من سكان العالم، متصلين بالإنترنت في عام 2024، مع اتساع الفجوة بين الدول ذات الدخل المرتفع التي تقترب من شمول شبه كامل، والدول ذات الدخل المنخفض التي لا يتجاوز فيها استخدام الإنترنت 27% من السكان.
وفي الاتجاه نفسه، تُظهر التقارير الدولية بأن شبكات الجيل الخامس تمثل حاليًا نحو ربع الاشتراكات المحمولة عالميًا، بينما بلغت نسبة انتشارها في دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من ثلث المشتركين، وهو ما يضع المنطقة في مقدمة هرم التحول نحو بنية اتصالات عالية السرعة والكفاءة، وإن كان هذا التحول ما يزال متفاوتًا على مستوى العالم العربي ككل. وتشكل هذه البنية الرقمية حجر الأساس الذي تُبنى عليه اليوم أنظمة القيادة والسيطرة والاستخبارات والاستطلاع، كما تُشكّل في المقابل البيئة التي تنمو فيها القدرات الهجومية والتهديدات السيبرانية.
في الحروب الحديثة، أصبحت الاتصالات المتقدمة أساس ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ"العمليات الشبكية" أو "الحرب المتمركزة على الشبكات". وتعتمد الجيوش اليوم على منظومات مترابطة تضم أجهزة الاستشعار، والأقمار الصناعية، والطائرات المُسيّرة، ومعها منصات قيادة وتحليل قادرة على معالجة البيانات واتخاذ القرار بسرعة كبيرة. وقد تحولت أنظمة الاتصالات الفضائية وشبكات الجيل الخامس والألياف البصرية إلى بنية تحتية حيوية تُتيح الحصول على المعلومات الاستخباراتية في لحظتها، وتوجيه الأسلحة الدقيقة، وتحريك الوحدات العسكرية المنتشرة في مناطق عمليات متباعدة.
وفي المقابل، تحوّلت الحروب الإلكترونية إلى ساحات للصراع، إذ تستهدف القوى العسكرية الرسمية وكذلك الجماعات المسلحة غير الخاضعة للدول إلى تعطيل شبكات الخصم، والتشويش على اتصالاته، والإخلال بموثوقية المعلومات التي تعتمد عليها قياداته في اتخاذ القرار.
على امتداد العالم العربي، تتفاوت قدرات الجيوش والمؤسسات الأمنية على الاندماج في هذه المنظومة الجديدة. بعض الدول استثمرت بكثافة في بناء شبكات اتصالات عسكرية وطنية، وفي تطوير قدرات دفاع سيبراني ومراكز عمليات رقمية قادرة على مراقبة الفضاء الإلكتروني وحماية البنى التحتية الحساسة. غير أن دولًا أخرى لا تزال تعتمد بصورة شبه كاملة على أنظمة مستوردة، ليست لها سيادة كاملة على شيفراتها ولا على تحديثاتها، الأمر الذي يترك ثغرات بنيوية في منظومتها الدفاعية. وهنا يصبح سؤال "السيادة التقنية" ملازماً لسؤال "السيادة العسكرية"، لأن الجهة التي لا تملك السيطرة على قنوات اتصالاتها الحيوية تظل معرّضة للاختراق والتعطيل في لحظات الأزمات.
يتجاوز أثر تكنولوجيا الاتصالات المجال العسكري الضيق إلى إعادة تشكيل النظام العالمي ذاته. فالعالم اليوم، وإن كان يضم نحو ثلاثة أرباع سكان الكوكب، إلا أنه يضم أيضًا أكثر من ملياري إنسان لا يزالون خارج الشبكة. هذا "الانقسام الرقمي" لا يعني فقط تفاوتًا في فرص التعليم أو التجارة الإلكترونية، بل يؤسس أيضًا لاختلال في توازنات القوة، حيث تتركز صناعة المنصات الرقمية الكبرى، ومعايير الأمن السيبراني، ومحركات الذكاء الاصطناعي في عدد محدود من المراكز، فيما تصبح باقي الدول مستهلكة للمعايير والقواعد والأدوات التي يضعها غيرها.
في قلب هذا المشهد، يتصاعد وزن "ساحة الصراع السيبراني" بوصفها مجالًا جديدًا للاقتصاد السياسي للحروب. بحسب تقديرات التقارير الدولية فإن كلفة الجرائم السيبرانية وحدها قد تصل إلى تريليونات الدولارات سنويًا على مستوى العالم، أي ما يعادل ناتج دول كبرى، مع التزايد الملحوظ في السنوات الأخيرة في استهداف البنى التحتية للطاقة والنقل والصناعة والخدمات المالية بهجمات رقمية معقدة. هذه الكلفة لا تقتصر على الأموال المصروفة في مواجهة الهجمات أو إصلاح الأضرار، بل بالتبعات التي تتركها بسبب اضطراب سلاسل التوريد، وتعطل ماكينات الإنتاج، وتسرب البيانات الحساسة، وبما تتركه من آثار سياسية وأمنية ممتدة. وفي هذا الإطار، تصبح قدرة الدولة على حماية فضائها السيبراني جزءًا من تعريف أمنها القومي، مثلها مثل حماية حدودها البرية والبحرية.
الدول العربية بالتأكيد ليست بمنأى عن هذه التحولات. فالمنطقة تشهد في هذا الوقت سباقًا على التحديث العسكري، وتوسعًا في الاعتماد على البنى الرقمية في الاقتصاد والمجتمع، وتشهد أيضاً تناميًا في الاستهداف السيبراني لأنظمتها المرتبطة بالصراعات الإقليمية والمنافسات الدولية.
الصورة الإيجابية التي ترسمها التقارير الدولية عن الفجوة الرقمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، هو أن التحول الرقمي الشامل في المنطقة بإمكانه أن يضيف مئات المليارات من الدولارات إلى الناتج المحلي، لكنها قلما تكشف أن الوصول إلى هذه المكاسب مرهون بإصلاحات عميقة في البنية التحتية، والتعليم، والحوكمة الرقمية، وبناء الثقة في بيئة الأعمال التكنولوجية. هذه المعادلة المزدوجة تجعل من تكنولوجيا الاتصالات سلاحًا ذي حدين؛ فهي مصدر لفرص تنموية وعسكرية وأمنية غير مسبوقة، وكذلك مصدر لمخاطر إذا ظلت البنى ضعيفة والاعتمادية على الخارج مرتفعة.
من زاوية نظريات العلاقات الدولية، يمكن النظر إلى تكنولوجيا الاتصالات بوصفها أحد أشكال ما يسميه الباحثين بـ "مجتمع الشبكات" أو"القوة الشبكية"، حيث تنتقل القدرة على التأثير من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على المحاور والعلاقات الأساسية التي تربط الفاعلين بعضهم ببعض.
شركات التكنولوجيا العملاقة، والمنصات الاجتماعية، ومزودو الخدمات السحابية، باتوا فاعلين سياسيين بحكم الأمر الواقع؛ فهم يمتلكون القدرة على تنظيم تدفق المعلومات، وعلى حجب أي محتوى أو إبراز آخر، وعلى توفير أو حرمان دول وحركات اجتماعية من أدوات التواصل والتنظيم. وهذا يطرح على الدول العربية سؤالًا استراتيجيًا عن الكيفية التي من خلالها بناء حضور عربي فاعل في فضاءات توضع قواعدها في وادي السيليكون وعواصم تقنية أخرى، بينما لا يزال الإسهام العربي فيها متواضعًا.
في هذا السياق، لا يكفي أن تنظر الدول العربية إلى تكنولوجيا الاتصالات بوصفها ملفات فنية؛ فهي في جوهرها ملف سيادي واستثماري وأمني. المطلوب هو رؤية شاملة تربط بين تطوير الصناعات المرتبطة بشبكات الاتصالات، وبناء قدرات بحثية في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتكوين كوادر عسكرية ومدنية تمتلك فهمًا عميقًا لتفاعلات الحرب الرقمية والاقتصاد السياسي للتكنولوجيا. كما يقتضي الأمر إعادة التفكير في أنماط التعاون الإقليمي، بحيث تنتقل المنطقة من حالة التباعد الرقمي إلى بلورة مبادرات مشتركة في البنية التحتية، ومراكز الاستجابة للطوارئ السيبرانية، ووضع معايير إقليمية لاستخدام التكنولوجيا في الحرب والسلم.
غير أن السؤال الفكري الأعمق يبقى عما إذا كانت الدول العربية ستتعامل مع ثورة الاتصالات باعتبارها موجة جديدة يجب اللحاق بها، أم ستستثمرها كأداة لبناء نفوذها الدولي وبما يخدم مصالحها.
إن امتلاك أنظمة الاتصالات المتقدمة دون امتلاك القواعد التشغيلية ومعايير التوظيف سيؤدي إلى شكل جديد من التبعية، أقل وضوحًا وأكثر خطورة. ولكن الاستثمار الواعي طويل الأمد في منظومات التعليم، والبحث، والصناعات التقنية، بإمكانه أن يحوّل الفضاء الرقمي من أرضيتها المنكشفة والمُهدَدة إلى مساحة لبناء قوة ناعمة وصلبة مؤثرة.
في المحصلة، لا يمكن فهم مستقبل القوة العسكرية والسياسية في القرن الحادي والعشرين من دون وضع تكنولوجيا الاتصالات في مركز التحليل. بالنسبة إلى العالم العربي، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في اقتناء أحدث المنظومات أو التوقيع على مزيد من العقود الدفاعية، بل في بناء قدرات ذاتية على إنتاج المعرفة التقنية، وصياغة قواعد استخدامها بما يخدم مصالحها الوطنية لا بما يكرر أنماط التبعية القديمة بصور رقمية أكثر تعقيدًا. هنا بالضبط هو ما سيحدد الفارق بين من يرى اليوم في الشبكات مجرد بنية تحتية، ومن يدرك أنها أصبحت اليوم أحد أهم مسارح التاريخ.


















0 تعليق