الودائع الخليجية ليست منحة!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

كم هو موجع، وكم هو مخزٍ، أن نستيقظ ذات صباح على أصواتٍ تختزل علاقةً عمرها أكثر من ألفي عام في أرقام الودائع الخليجية العائمة في خزائن البنك المركزي المصري.

أصواتٌ تعلو من وراء الفضاء الرقمي، تنهش في أعراض المصريين، مطالبةً بسحب ودائع الخليج من مصر، متجاهلين نسيج الدين والدم واللغة والجغرافيا والمصالح المشتركة، التي تمتد من «قوافل الحبوب» المصرية في عام الرمادة إلى جيوش صلاح الدين وقطز التي روت تراب فلسطين والشام دفاعًا عن الأمة لا عن حدودٍ مرسومة، وأطباءَ ومعلمين شيدوا نهضةً كاملةً بأيديهم وعقولهم في دول الخليج ثم رحلوا بصمت.

متى صارت العلاقات بين الأمم، تُقرأ بدفاتر الحسابات لا بدفاتر التاريخ؟ ومتى تحولت الوديعة  التي تحمل فائدتها وتُدار بمنطق الاستثمار، إلى مِنّةٍ تمنحها أيادٍ وتنتزعها أيادٍ أخرى حين لا يعجبها المشهد السياسي؟

إن ما يُطرح علينا اليوم ليس سؤالًا اقتصاديًا عابرًا، بل هو سؤالٌ وجوديٌّ موجع، أيمكن لرقمٍ في بيانٍ ماليّ أن يمحو ما أودعته القرون في ضمير الجغرافيا وذاكرة الدم؟ هذا هو الجرح الذي ينبغي أن نقف عنده طويلًا قبل أن نسترسل في الأرقام والتاريخ المنصف. 

وإلى هذا السؤال نتوجه في السطور التالية، لا لنخاصم، بل لنذكّر.. فربما كان النسيان هو الوباء الأشد فتكًا من كل الحروب.

 

أرقام الوجع في ودائع الخليج

حين نتأمل المسألة بهدوء، سنجد أن الحديث عن "الودائع" يحتاج أولًا إلى ضبط المفاهيم، فإجمالي الودائع الخليجية في البنك المركزي المصري يبلغ نحو 18.3 مليار دولار، موزعة على النحو التالي:

-المملكة العربية السعودية: 10.3 مليار دولار،

-دولة الكويت: 4 مليارات دولار،

- دولة قطر: 4 مليارات دولار.

في المقابل، يبلغ الاحتياطي النقدي المصري نحو 52.7 مليار دولار، أي أنه يغطي هذه الودائع بما يقارب 2.8 مرة، هذه الأرقام، في سياقها المهني، لا تعني أن سحب الودائع لن يكون له أثر، بل تعني أن الأثر إن حدث سيكون ضغطًا مؤقتًا يمكن احتواؤه، وليس انهيارًا اقتصاديًا كما يصوّره البعض في خطاب شعبوي متعجل.

لكن الأهم من ذلك أن هذه الودائع ليست "مِنحًا" ولا "هبات"، بل هي أدوات مالية تُدار وفق منطق الاستثمار، وتحقق عوائد وفوائد للدول المودِعة، أي أنها جزء من شبكة مصالح متبادلة، وليست تعبيرًا عن فضل طرف على آخر.

وحين نوسع زاوية النظر، تتكشف مفارقة لافتة، فإجمالي الأصول الخليجية في الولايات المتحدة وحدها يتجاوز 1.1 تريليون دولار، منها نحو 456 مليار دولار للكويت، و371 مليار دولار للسعودية، و281 مليار دولار للإمارات، فضلًا عن استثمارات ضخمة في سندات الخزانة الأمريكية تتوزع بين 149.5 مليار دولار للسعودية، و95.6 مليار للإمارات، و66.1 مليار للكويت.

وبالمقارنة، تمثل الودائع الخليجية في مصر نحو 1.6% فقط من حجم هذه الأصول وهنا لا يصبح السؤال: لماذا لا تدعم مصر الخليج؟ بل: لماذا يُختزل النقاش في 18 مليارًا، بينما تُدار تريليونات في بيئات أكثر تعقيدًا وخطورة، سياسيًا وقانونيًا؟

وفي هذا السياق، يبرز البعد القانوني الذي يتجاهله كثير من هذا الخطاب، وعلى رأسه قانون "جاستا"، الذي يتيح مقاضاة دول بعينها أمام القضاء الأمريكي، وتجميد أو مصادرة أصولها وهو ما يعني أن المخاطر الحقيقية على الأموال الخليجية لا تكمن في القاهرة، بل في منظومات قانونية دولية أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.

 

قوافل الحبوب في عام الرمادة تنقذ الأشقاء العرب من الموت

إن اختزال العلاقة بين مصر ودول الخليج في الاقتصاد وحده يُفقدها معناها الأعمق، فالعلاقة بين مصر وشبه الجزيرة العربية لم تبدأ مع البنوك المركزية، بل تعود إلى آلاف السنين، حيث تشير النقوش المصرية إلى بعثات تجارية إلى مناطق البحر الأحمر وشبه الجزيرة العربية منذ نحو 2600 قبل الميلاد، حيث كانت مصر، بفائضها الزراعي، تصدّر الحبوب مقابل العطور والبخور الخليجية. 

هذا الدور تعمّق مع ظهور الإسلام، حين تحولت مصر إلى ما يشبه "سلة غذاء" للدولة الإسلامية الناشئة، وفي عام الرمادة، أرسل سيدنا عمرو بن العاص قوافل ضخمة من الحبوب إلى الحجاز، قُدرت بآلاف الأطنان، حتى قيل إن القوافل امتدت من الفسطاط إلى المدينة المنورة، وأنقذت آلاف الرجال والنساء والأطفال من أبناء الشقاء العرب من الموت المحقق الذي أودى بحياة الآلاف قبل وصول القوافل المصرية. 

ثم جاءت لحظات الخطر الوجودي، حين وقفت مصر في قلب المعركة دفاعًا عن العالم الإسلامي، في معركة «حطين»، حين أعاد صلاح الدين تشكيل ميزان القوى بجيش قوامه بين 20 إلى 30 ألف مقاتل، ممولًا من موارد مصرية، لينهي مرحلة تاريخية من الهيمنة الصليبية التي كانت تستهدف الوجود الإسلامي. 

وفي عين جالوت، واجه نحو 20 ألف مقاتل مصري، الزحف المغولي في معركة غيّرت مسار التاريخ، ولم تكن هذه المعارك دفاعًا عن حدود مصر، بل عن المجال الإسلامي بأسره، بما فيه الحجاز والجزيرة العربية.

 

«الصُرّة المصرية» و«التكية» و«دار الكسوة» معالم خالدة على عطاء مصر

وفي عهد محمد علي وأبنائه، لم ينقطع الخيط الرفيع الذي يصل النيل بالحرمين، بل ازداد متانةً ونقاءً، فخرجت «الصُرّة المصرية» عاماً بعد عام، لا كمنحةٍ تُمنّ بها على دول الخليج، بل كواجبٍ مقدسٍ تمليه الأخوّة في الدين والجوار في الجغرافيا. 

قوافل محملة بعشرات آلاف الدنانير تشق الصحراء القاسية لتصل إلى مكة والمدينة، تنفق على قوافل الحجيج، وتسد رمق فقراء الحجاز، وكأن خزائن مصر تفتح مصراعيها للأمة كلها، لا تسأل أحداً ثمناً ولا تنتظر شكراً.

لم تقف مصر عند المال المرسل، بل مدت يدها بالطعام الساخن يوزع يومياً على آلاف الفقراء وضيوف الرحمن في «التكية المصرية»، في مشهدٍ يليق ببلدٍ عرفته الدنيا سلة غذاءٍ للعالم القديم كله، فكان الخبز المصري يسد الجوع، والمال المصري يكسو العورة، واليد المصرية تمتد بالخير قبل أن تُمتد إليها يدٌ بطائل.

وأما كسوة الكعبة المشرفة، فتلك حكايةٌ وحدها تكفي لكتابة تاريخٍ من الوفاء الصامت، فمنذ خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومصر تحتضن شرفاً لا يدانيه شرف، أن تُحاك على أرضها أقدس قطعة قماشٍ في الوجود وهي كسوة الكعبة الشريفة. 

«دار الكسوة» في حي الخرنفش بالقاهرة، بالقرب من الأزهر الشريف، كانت مصنعاً للقداسة قبل أن تكون مصنعاً للحرير، ومن «العتبة الخضراء» كان يخرج الموكب المهيب كل عام، يتقدمه حاكم مصر بنفسه أو كبار ولاته، في احتفالٍ يهتز له قلب القاهرة فرحاً وهي تودع كسوة بيت الله إلى حيثُ تُقبّل الأرض وتُرفع الجباه. 

ظلت مصر ترسل الكسوة قرناً بعد قرن، حتى ستينيات القرن الماضي، لا منّةً ولا استعلاءً، بل لأن هذا هو قدرها الذي اختاره الله لها أن تكون للبيت الحرام ساتراً، وللأمة كلها سنداً.

تلك هي مصر التي نعرفها، فهل يُعقل بعد هذا كله أن يُختزل التاريخ المشترك في رقمٍ عائمٍ في كشوف الحسابات البنكية؟ وهل يُعقل أن تُنسى «دار الكسوة» ويُذكر «البنك المركزي»؟!

 

أما في العصر الحديث، فقد تحوّل الدعم من الغذاء إلى الإنسان، عشرات الآلاف من المعلمين المصريين أسهموا في بناء التعليم الخليجي، ونسبة كبيرة من الأطباء في المراحل الأولى للنهضة الصحية كانت مصرية، كما شارك آلاف الخبراء في تأسيس البنية المؤسسية للدولة الحديثة، وأسهموا بشكل مباشر في التنمية.

وعلى المستوى العسكري، لم يكن موقف مصر يومًا حياديًا تجاه أمن الخليج، ففي حرب تحرير الكويت، شاركت مصر بنحو 35 ألف جندي ضمن قوات التحالف، في واحدة من أكبر المساهمات العربية، وكان ذلك تجسيدًا عمليًا لفكرة أن أمن الخليج جزء من الأمن القومي المصري.

كل هذه الوقائع لا تُقال للتفاخر، بل لتصحيح زاوية النظر، فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على لحظة سياسية عابرة، ولا تُقاس برد فعل على حرب لم تُخض، بل تُفهم في سياق تاريخي طويل من التداخل والتكامل.

العلاقات بين مصر والخليج لم تكن يومًا علاقة عطاء من طرف واحد، بل كانت، عبر القرون علاقة توازن دقيق بين الجغرافيا والموارد، بين القوة البشرية والقدرة المالية، بين التاريخ والحاضر، وما يقدمه الخليج اليوم، هو امتداد طبيعي لهذه الشبكة من المصالح، وليس خروجًا عنها.

ومصر، التي عبرت آلاف السنين، لم تكن يومًا دولة تُقاس بما يُودع فيها من أموال، بل بما تُودعه هي في محيطها من استقرار ومعرفة وحضور.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق