هل يصبح الزواج بقرار جمهوري؟!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

زاوية حرة

السبت 18/أبريل/2026 - 11:32 ص 4/18/2026 11:32:17 AM


هل يُعد تراجع معدلات الزواج نذير خطر؟ بالأرقام والمعطيات، يقف المجتمع بأكمله على حافة أزمة صامتة؛ فالشباب اليوم لم يعد ينظر إلى الزواج باعتباره إضافة نوعية لحياته، بقدر ما يراه عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا، ويفضل كثيرون تفاديه هربًا من دوامة التكاليف، بدءًا من تشطيب المسكن إلى سلسلة لا تنتهي من الالتزامات التي تستنزف الدخل وتُرهق الأعصاب. وإذا ما قرر أحدهم أن يُجري حسابًا بسيطًا بالورقة والقلم، فغالبًا ما ينتهي به الأمر إلى الإحباط التام، وربما إلى الانسحاب الكامل من الفكرة، وهو ما يعكس تحولًا حقيقيًا في نظرة الأجيال الجديدة إلى هذه المؤسسة الاجتماعية.
الشباب لم يعد يعرف من أين تُؤكل الكتف فيما يتعلق بتوفير تكاليف الزواج، ليس جهلًا، وإنما عجزًا حقيقيًا عن تدبير الموارد اللازمة لخطوة تُعد في جوهرها «سُنّة الحياة» وفي المقابل، تعاني شريحة واسعة من الفتيات من تراجع فرص الزواج، لا لعيب فيهن، ولكن لأن كلفة الارتباط أصبحت حاجزًا صلبًا أنهك الجميع بلا استثناء، وجعل فكرة الزواج أقرب إلى مشروع مرهق في نظر البعض. حتى صار يُقال ساخرًا إن الزواج يحتاج إلى «ميراث» وليس وظيفة، وهو توصيف يعكس واقعًا ضاغطًا يعيشه الطرفان.
الأخطر من ذلك هو التحول في الوعي؛ إذ لم يعد الأمر مجرد تأجيل، بل تحوّل لدى فئة معتبرة من الشباب إلى رفض مبدئي لفكرة الزواج، وهو ما يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: ماذا بعد؟ فاستمرار هذا الاتجاه لا يهدد التوازن الديموغرافي فحسب، بل يفتح الباب أمام أنماط اجتماعية غير مستقرة، وقد يدفع إلى سلوكيات منحرفة تحت مبرر غياب الجدوى. وفي هذا السياق، تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد غير المتزوجين ممن تجاوزت أعمارهم 30 عامًا قد تجاوز 13.5 مليون مواطن، بينهم نحو 2.5 مليون شاب و11 مليون فتاة، وهي أرقام تعكس حجم الأزمة بوضوح لكل لبيب.
على الجانب الآخر، تتعامل كثير من الأسر مع تأخر سن زواج الفتيات بوصفه أزمة اجتماعية ضاغطة، ما يضاعف الأعباء النفسية ويدفع أحيانًا إلى قرارات غير متزنة؛ إذ قد تجد الفتاة نفسها، بعد سنوات، تقبل بشروط كانت ترفضها سابقًا، فقط خشية فوات فرصتها في الزواج، سواء من حيث الفارق العمري أو المستوى الاقتصادي أو الحالة الاجتماعية للطرف الآخر، وبالطبع فإن ذلك يؤكد وجود خلل ثقافي عميق يتجاوز حدود الاقتصاد، ويشير إلى أن الأزمة مركّبة وليست أحادية السبب.
ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن السياق الاقتصادي العام، بدءًا من صعوبة الحصول على مسكن مناسب، مرورًا بغياب دخل مستقر يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، وصولًا إلى تضخم تكاليف الزواج بشكل مبالغ فيه، ما يجعل الإقدام على هذه الخطوة محفوفًا بالمخاطر، كما أن التجارب السلبية المحيطة، من مشكلات زوجية متكررة أو نزاعات تنتهي بالانفصال أو حتى الانتحار، وما يصاحبها من أعباء قانونية ونفسية، تُعزز من عزوف الشباب، وتدفعهم إلى تبني مواقف أكثر تحفظًا تجاه الارتباط.
ورغم ذلك، فإن اختزال الأزمة في «الشبكة» أو «القائمة» يُعد تبسيطًا مُخلًا، فهذه مجرد مظاهر لخلل أعمق يتعلق بثقافة المغالاة وغياب التوازن بين الإمكانات والتوقعات، إضافة إلى مخاوف حقيقية لدى بعض الشباب من تبعات القوانين المنظمة للأحوال الشخصية، وما قد يترتب عليها من التزامات في حال فشل الزواج، وهي مخاوف تحتاج إلى نقاش مجتمعي هادئ يحقق التوازن ويحفظ الحقوق دون تهويل أو إنكار.
والحل لا يكمن في إلغاء التقاليد دفعة واحدة، ولا في تحميل طرف واحد المسؤولية، ولكن في إعادة صياغة منظومة الزواج على أسس أكثر واقعية، تبدأ بتبسيط التكاليف والاتفاق على معايير عادلة بين الطرفين، مرورًا بدور الدولة في دعم الإسكان وتوفير فرص العمل، وصولًا إلى مراجعة بعض الأطر القانونية بما يحقق العدالة، كما أن الإعلام والخطاب الديني مطالبان بإعادة تقديم الزواج بوصفه شراكة إنسانية تقوم على المودة والمسؤولية، خاصة الأزمة الحالية تعد اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع على التكيف وإعادة التوازن قبل أن تتفاقم آثارها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق