اﻟﻤﺸﺮدون... أرواح ﺗﺎﺋﻬﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﺮﺻﻴﻒ

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الشارع بديل قسرى لهم بعد أن نبذتهم الأسرة والمجتمع

الخلافات الأسرية دفعت «سعاد» للشارع.. و«محمود» ينام أسفل الكبارى

خبراء: الأسرة خط الدفاع الأول والدعم المؤسسى ضرورة

فى مدينة لا تنام، حيث تتسابق الأقدام نحو العمل وتعلو أصوات السيارات فوق أى نداء، هناك من يعيش فى صمت ثقيل لا يسمعه أحد على الأرصفة، وتحت الكبارى، وفى الزوايا المنسية من الشوارع، تتناثر حكايات بشر سقطوا من حسابات الجميع؛ لا أسماء تنادى، ولا وجوه تفتقد، فقط أجساد تتحرك بلا وجهة، وعقول أنهكها الألم حتى فقدت القدرة على طلب النجاة ليسوا مجرد مشردين كما يصفهم البعض، بل هم ضحايا أوجاع نفسية وعقلية لم تجد من يحتويها فى الوقت المناسب.

لكل واحد منهم قصة بدأت يوماً بشكل عادى؛ بيت، وأسرة، وربما عمل أو حلم بسيط، قبل أن تتراكم الضغوط، وتتعقد الظروف، ويتحول الاضطراب النفسى من معاناة خفية إلى انهيار كامل، يدفع صاحبه خارج كل دوائر الأمان.

المشهد يبدو قاسياً حين تلتقى أعيننا بهم لحظات عابرة؛ رجل يجلس على الرصيف يحدث نفسه، سيدة تصرخ فى فراغ لا يجيب، شاب ينام على الأرض كأن العالم لفظه خارج حدوده.

ورغم قسوة الصورة، ما هو أقسى هو الاعتياد؛ أن يتحول وجودهم إلى جزء طبيعى من يومنا، نمر بجوارهم دون أن نتوقف، دون أن نسأل: كيف وصلوا إلى هنا.

وراء كل حالة، حكاية صامتة عن أسرة عجزت أو تخلت، عن مجتمع لم يعطف، وعن منظومة لم تصل فى الوقت المناسب وبين كل هذه الدوائر، يبقى الإنسان وحده، يواجه مصيره فى الشارع، بلا علاج، بلا دعم، وبلا أمل واضح فى العودة.

ورغم الجهود المعلنة من وزارة الصحة وبعض المحافظات لتطوير مستشفيات الطب النفسى، إلى جانب حملات الإيواء، فإن هذه الجهود لا تزال غير كافية لاحتواء الظاهرة أو الحد من تفاقمها، كما تغيب سياسة وقائية واضحة أو خطط فعالة لإعادة دمجهم داخل المجتمع، فضلاً عن نقص دور الإيواء الأمنة والمجهزة تأهيلياً، بما يضمن استمرارية الرعاية بدلاً من الاكتفاء بحلول مؤقتة.

وفى هذا السياق، رصدت «الوفد» الواقع من الشارع، لعدد من الحالات التى تعكس حجم المعاناة الإنسانية، وتكشف فى الوقت ذاته عن أوجه القصور فى التعامل مع هذه الفئة.

فى أحد الشوارع التجارية، يقف شاب فى بداية الثلاثينيات ساعات طويلة، يراقب المارة دون تفاعل، قبل أن يبدأ فجأة الحديث كأنه يخوض نقاشاً مع شخص غير موجود. والعاملون فى المنطقة يؤكدون أن ظهوره كان متقطعاً فى البداية، ثم أصبح يومياً، دون أن يستجيب لأى محاولة للتواصل.

وفى شارع جانبى، تقف سعاد، تتحدث مع نفسها بصوت مرتفع، وتتحرك فى دوائر متكررة، كأنها تحاول الهروب من شىء لا يرى.

يروى سكان المنطقة أنها كانت تعيش حياة طبيعية إلى حد ما، لكن الخلافات الأسرية ورفضها للعلاج أديا إلى تخلى أهلها عنها، لتجد نفسها وحيدة فى مواجهة واقع قاسٍ.

أما محمود، شاب لم يتجاوز الثلاثين، فينام أسفل أحد الكبارى، محاطاً بأغطية بالية يحكى أحد المتطوعين أنه حاول مساعدته مراراً، لكنه كان يرفض أى اقتراب، ويبدو عليه الخوف الشديد من الآخرين، كأن الشارع، رغم قسوته، أصبح بالنسبة له أكثر أماناً من أى مكان آخر.

تتشابه الحكايات، وإن اختلفت تفاصيلها، لكنها جميعاً تنتهى عند نقطة واحدة: إنسان فقد الطريق، ولم يجد من يعيده إليه.

الدكتورة عبير عبدالله 
الدكتورة عبير عبدالله 

خلل مجتمعى وأزمة إنسانية

وفى هذا الإطار، تؤكد الدكتورة عبير عبدالله أن تزايد أعداد المرضى النفسيين والعقليين فى الشوارع لم يعد مجرد مشهد عابر، بل أصبح مؤشراً واضحاً على وجود خلل مجتمعى يتطلب تدخلاً جاداً وشاملاً، مؤكدة أن ترك هؤلاء دون رعاية أو احتواء يمثل أزمة إنسانية حقيقية تمتد آثارها إلى المجتمع بأكمله.

وتوضح أن وجود بعض المرضى النفسيين فى الشارع قد يثير حالة من القلق لدى المواطنين، إلا أن هذه المخاوف غالباً ما تكون مبالغاً فيها، مشيرة إلى أن معظم المرضى النفسيين لا يشكلون خطراً بطبيعتهم، بل إنهم الفئة الأكثر عرضة للإيذاء والاستغلال. وتلفت إلى أن الخطر الحقيقى لا يكمن فى المرض ذاته، وإنما فى غياب المتابعة الطبية والرعاية المستمرة.

وتشير إلى أن الوصول إلى مرحلة التشرد لا يحدث بشكل مفاجئ، بل هو نتيجة تداخل عدة عوامل، من أبرزها غياب التشخيص المبكر، وعدم الالتزام بالخطة العلاجية، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والتفكك الأسرى. كما تلعب الوصمة المجتمعية دوراً كبيراً فى تفاقم الأزمة، حيث تدفع بعض الأسر إلى إخفاء المرض أو التخلى عن المريض، فى حين قد يرفض بعض المرضى تلقى العلاج لعدم وعيهم بطبيعة حالتهم.

وتؤكد أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول فى احتواء المريض النفسى، لكنها ليست الطرف الوحيد المسئول، موضحة أن بعض الأسر قد تعجز عن التعامل مع الحالة بسبب نقص الإمكانات أو غياب الدعم، بينما تتخلى أسر أخرى عن دورها نتيجة الجهل أو الخوف من نظرة المجتمع، وهو ما يسهم بشكل مباشر فى تفاقم المشكلة.

وتلفت إلى أن لهذه الظاهرة تداعيات سلبية متعددة على المجتمع، إذ تسهم فى خلق حالة من القلق العام، وتعكس فى الوقت نفسه قصوراً فى منظومة الرعاية الاجتماعية. وفى المقابل، يظل المرضى أنفسهم هم الضحية الأولى، حيث يواجهون ظروفاً معيشية قاسية فى الشارع تؤدى إلى تدهور حالتهم الصحية والنفسية بشكل متسارع.

وتختتم حديثها بتأكيد أن الدولة تبذل جهوداً ملموسة فى تطوير خدمات الصحة النفسية، إلا أن هذه الجهود لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدعم والتكامل، من خلال تبنى منظومة شاملة تقوم على التوعية المجتمعية، وتعزيز دور الأسرة، وتوفير خدمات متابعة وعلاج فعالة، إلى جانب سرعة التدخل للحالات الأكثر احتياجاً، بما يضمن حماية المرضى وإعادة دمجهم فى المجتمع بشكل آمن وإنسانى.

الدكتورة نادية جمال 
الدكتورة نادية جمال 

الأسرة خط الدفاع الأول

ومن جانبها، ترى الدكتورة نادية جمال أن التعامل مع الأشخاص الموجودين فى الشوارع يجب ألا يبدأ بإطلاق أحكام تشخيصية جزافية، موضحة أنه لا يمكن الجزم بأن جميعهم يعانونأمراضاً نفسية، إذ إن التشخيص يتطلب تقييماً علمياً دقيقاً لا يمكن إجراؤه فى مثل هذه الظروف. وتشير إلى أن نسبة من هؤلاء قد تعانى بالفعل اضطرابات نفسية، إلا أنها غالباً ما تكون اضطرابات حادة وصلت إلى مراحل متقدمة.

وتوضح أن وصول المريض النفسى إلى مرحلة العيش فى الشارع لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يمر بسلسلة طويلة من التغيرات والتدهورات النفسية التى تكون فى كثير من الأحيان ملحوظة لمن يحيطون به. وتلفت إلى أن ملاحظة هذه التغيرات مبكراً والتدخل بالدعم أو العلاج أو الاستماع يمكن أن يمنع تفاقم الحالة، إلا أن غياب المتابعة أو الاحتواء يدفع بعض الأفراد إلى اتخاذ قرار الانسحاب الكامل من محيطهم.

وتضيف أن الضغوط الحياتية المتراكمة تمثل العامل الأبرز فى دفع الشخص إلى هذا المصير، وقد تتعدد مصادر الضغط بين العمل أو الدراسة أو العلاقات الاجتماعية، بل قد تمتد إلى داخل الأسرة نفسها، التى يفترض أن تكون مصدر الأمان والدعم. وعندما يتحول هذا الإطار إلى مصدر ضغط إضافى، يشعر الفرد بالاختناق النفسى والرغبة فى الهروب من كل ما يحيط به.

وتشير إلى أن هذا القرار لا يعكس بالضرورة رغبة حقيقية فى العيش فى الشارع، بقدر ما هو تعبير عن حالة نفسية منهكة تدفع صاحبها إلى العزلة الكاملة ورفض أى تواصل مع الآخرين.

وحول دور الأسرة والمجتمع، تؤكد أن المسئولية مشتركة، إلا أن العبء الأكبر يقع على عاتق الأسرة، لما تمثله من بيئة أولى للاحتواء والدعم. وفى المقابل، لا يمكن إغفال دور المجتمع، وإن لم يكن المسئول الوحيد، فى التأثير على مسار هذه الحالات.

وتلفت إلى أن الظاهرة تترك أثراً واضحاً على المجتمع، سواء من حيث الشعور بالقلق أو من خلال المشاهد اليومية القاسية، فضلاً عن بعض السلوكيات غير المتوقعة فى حالات محدودة. وتشدد على ضرورة تدخل الدولة بشكل أكبر، من خلال توفير مؤسسات متخصصة تقدم الرعاية والعلاج والدعم، بدلاً من ترك هؤلاء فى الشوارع دون مأوى أو حماية، مؤكدة أن ذلك حق إنسانى أساسى.

وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الجهود الحالية، رغم وجودها، لا تزال غير كافية لمواجهة تزايد أعداد الحالات، ما يتطلب مزيداً من الوقت والموارد والتكامل بين الجهات المختلفة.

الدكتورة ندى عاطف، خبيرة الطب النفسى
الدكتورة ندى عاطف، خبيرة الطب النفسى

الخوف المجتمعى

تشير الدكتورة ندى عاطف، خبيرة الطب النفسى، إلى أن النظرة المجتمعية تجاه المرضى النفسيين الذين يعيشون فى الشوارع يشوبها قدر من المبالغة فى الخوف، موضحة أن الدراسات تؤكد أنهم ليسوا أكثر ميلاً للعنف من غيرهم، بل إنهم فى كثير من الأحيان الأكثر عرضة للإيذاء.

وتضيف أنه لا يمكن إنكار وجود نسبة محدودة من الحالات غير المعالجة أو المصحوبة باضطرابات حادة قد تظهر سلوكيات اندفاعية، إلا أن ذلك يظل استثناءً وليس القاعدة، ويرتبط بشكل مباشر بغياب العلاج والمتابعة.

وتؤكد أن وصول المريض إلى الشارع هو نتيجة تراكمات معقدة، من بينها الانقطاع عن العلاج، وضعف خدمات المتابعة، والوصمة المجتمعية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية ونقص مراكز الإيواء والتأهيل، وهو ما يعكس خللاً واضحاً فى منظومة الرعاية النفسية والاجتماعية.

وتوضح أن الأسرة، رغم أهميتها، ليست المسئول الوحيد، إذ قد تعجز بعض الأسر عن التعامل مع الحالة فى ظل غياب الدعم المؤسسى، ما يجعل المشكلة أوسع من نطاقها، وتمتد إلى المجتمع والخدمات المتاحة.

وتلفت إلى أن تأثير الظاهرة لا يقتصر على المجتمع من حيث الشعور بعدم الأمان، بل يمتد بشكل أخطر إلى المرضى أنفسهم، الذين يتعرضون لظروف قاسية تشمل العنف والاستغلال وتدهور حالتهم الصحية، فضلاً عن فقدان الكرامة وصعوبة العودة للعلاج.

وتشدد على أن المريض النفسى فى هذه الحالة هو الضحية الأولى، فى ظل منظومة لا توفر له الحماية الكافية، مؤكدة أن الجهود الحالية، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى استكمال من خلال بناء منظومة متكاملة تشمل العلاج، والتأهيل، والدعم الاجتماعى، بما يضمن إعادة دمج هؤلاء داخل المجتمع بشكل آمن وإنسانى.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق