في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها الدولة لتنظيم ملف البناء العشوائي ودمج المخالفات القائمة داخل المنظومة القانونية الرسمية، يبرز قانون التصالح في بعض مخالفات البناء كأحد أهم الأدوات التشريعية التي تستهدف تحقيق التوازن بين الحفاظ على السلامة الإنشائية للمباني من جهة، وتوفيق أوضاع المواطنين من جهة أخرى.
ويأتي هذا القانون استجابةً لواقع عمراني تراكمي شهد خلال سنوات سابقة انتشارًا لعدد من المخالفات البنائية التي فرضت نفسها على الأرض، ما استدعى تدخلًا تشريعيًا يضع إطارًا واضحًا لتقنين الأوضاع دون الإضرار بالمخططات العمرانية للدولة.
ويعكس القانون فلسفة جديدة تقوم على منح فرصة لتصحيح الأوضاع القائمة بدلًا من الإزالة الفورية في كل الحالات، مع وضع ضوابط صارمة تضمن ألا يتحول التصالح إلى مدخل لشرعنة مخالفات تهدد السلامة العامة أو تخل بالنظام العمراني.
وفي الوقت نفسه، يهدف إلى إدخال هذه المباني ضمن منظومة رسمية خاضعة للرقابة، بما يسهم في تحسين جودة العمران وتعزيز قدرة الدولة على التخطيط المستقبلي بشكل أكثر دقة.
وفي هذا السياق، أتاح القانون إمكانية التصالح في عدد من المخالفات التي تم ارتكابها قبل صدوره، وذلك وفق ضوابط محددة تضمن عدم الإضرار بالسلامة الإنشائية أو التخطيط العمراني العام، وتشمل هذه المخالفات حالات مثل تجاوز قيود الارتفاع، وتغيير الاستخدام في بعض المناطق، والتعدي على خطوط التنظيم، شريطة استيفاء الموافقات المطلوبة من الجهات المختصة، بما يضمن دراسة كل حالة على حدة وفق معايير فنية وقانونية دقيقة.
خطوط حمراء لا يجوز تجاوزها:
ورغم هذا التيسير، وضع القانون ضوابط صارمة تمثل خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها، حيث حظر التصالح في المخالفات التي تشكل خطرًا على السلامة العامة أو التي تقام على أراضٍ محمية أو مخصصة لاستخدامات محددة مثل الجراجات، ويعكس هذا التوجه حرص الدولة على عدم المساس بالمصالح العامة أو السماح بتقنين أوضاع قد تؤدي إلى مخاطر مستقبلية على المواطنين أو البنية التحتية.
مد فترة التقديم للتصالح:
وفي خطوة جديدة تهدف إلى توسيع قاعدة المستفيدين، وافق مجلس الوزراء على مد فترة التقديم على طلبات التصالح في مخالفات البناء لمدة 6 أشهر إضافية تبدأ اعتبارًا من 5 مايو 2026، ويمنح هذا القرار فرصة إضافية للمواطنين لاستكمال إجراءاتهم القانونية والفنية، بما يتيح لهم توفيق أوضاعهم وفقًا لأحكام القانون الجديد.
تقليل النزاعات وتعزيز الاستقرار العمراني:
ويستهدف هذا التمديد تقليل عدد النزاعات القضائية المرتبطة بالمخالفات البنائية، إلى جانب دعم جهود دمج المباني المخالفة داخل المنظومة الرسمية للدولة، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار العمراني، كما يساعد في إتاحة الوقت الكافي للمواطنين لاستكمال المستندات المطلوبة، وعلى رأسها التقارير الهندسية، وهو ما يعزز دقة الفحص الفني للطلبات ويضمن سلامة المباني محل التصالح.
ويُعد قانون التصالح في مخالفات البناء خطوة محورية في ملف تنظيم العمران، حيث يجمع بين منح فرص واقعية لتقنين الأوضاع، وبين فرض ضوابط صارمة تحمي المصلحة العامة، بما يعكس توجهًا متوازنًا يسعى إلى معالجة تراكمات الماضي دون الإضرار بمستقبل التخطيط العمراني للدولة.

















0 تعليق