في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع الأبعاد الاجتماعية مع الاعتبارات القانونية والاقتصادية، تمضي الدولة المصرية بخطى متسارعة نحو إعادة صياغة واحدة من أكثر المنظومات التشريعية تأثيرًا في حياة المواطنين، وهي منظومة الأحوال الشخصية.
ولا تعبّر توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن الإسراع في تقديم مشروعات القوانين المنظمة لشؤون الأسرة إلى مجلس النواب عن مجرد رغبة في إدخال تعديلات محدودة، بل تعكس تحولًا نوعيًا من إدارة أزمات متراكمة إلى تبنّي رؤية قانونية شاملة، تستهدف تحقيق التوازن داخل الأسرة، وترسيخ العدالة، مع وضع مصلحة الطفل في صدارة الأولويات.
وتأتي هذه التحركات بعد سنوات من الجدل المجتمعي والقانوني حول قضايا النفقة والحضانة والرؤية، وما ارتبط بها من تحديات في تنفيذ الأحكام وطول أمد التقاضي، فضلًا عن تباين بعض الاجتهادات القضائية، وهو ما أسهم في خلق حالة من الاحتقان المجتمعي، ودفع إلى مطالب متزايدة بإعادة النظر في الإطار التشريعي الحاكم لهذه الملفات.
تحول في فلسفة التشريع الأسري:
من جانبه، أكد وحيد سرور، المحامي بالنقض، أن ما تشهده الدولة حاليًا يمثل نقطة تحول حقيقية في فلسفة التشريع الأسري، موضحًا أن القوانين السابقة، رغم تعدد تعديلاتها، لم تعد قادرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي طرأت على بنية الأسرة المصرية.
وأشار إلى أن أهمية هذه الحزمة التشريعية لا تقتصر على تعديل بعض المواد الخلافية، بل تمتد إلى إعادة بناء المنظومة بشكل متكامل، بما يحقق توازنًا عادلًا بين حقوق وواجبات جميع الأطراف، بعيدًا عن المعالجات الجزئية التي كثيرًا ما كانت تؤدي إلى تفاقم النزاعات بدلًا من حلها.
المصلحة الفضلى للطفل:
وأضاف أن التركيز على المصلحة الفضلى للطفل يُعد من أبرز ملامح هذا التوجه، إذ لم يعد الطفل طرفًا تابعًا في النزاع، بل أصبح محورًا رئيسيًا في صياغة القواعد القانونية، بما يتماشى مع المعايير الدولية الحديثة في قوانين الأسرة.
وفيما يتعلق بمشروع قانون الأسرة للمسلمين، أوضح سرور أن التحدي الأكبر يتمثل في معالجة التشابكات المزمنة، خاصة في ملفات النفقة وتنفيذ الأحكام، مؤكدًا أن نجاح التشريع الجديد مرهون بقدرته على تقليل زمن التقاضي، والحد من التحايل القانوني، وضمان وصول الحقوق إلى مستحقيها بكفاءة وسرعة.
أما قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، فوصفه بأنه خطوة تاريخية طال انتظارها، لا سيما في ظل التوافق غير المسبوق بين الكنائس المصرية على صيغة موحدة، وهو ما يعزز استقرار المعاملات الأسرية وينهي حالة التباين التي كانت قائمة سابقًا.
كما أشار إلى أن إدخال آليات حديثة مثل “الرؤية الإلكترونية” ونظام الاستضافة، إلى جانب تنظيم أكثر دقة لمسائل النفقات، يعكس توجهًا نحو مواكبة الواقع العملي، وليس الاكتفاء بالنصوص النظرية.
سد الفجوة بين الحكم والتنفيذ:
وفيما يتعلق بصندوق دعم الأسرة، شدد سرور على أهميته كركيزة أساسية لضمان فاعلية التشريع، موضحًا أن الإشكالية لم تكن دائمًا في إصدار الأحكام، بل في تنفيذها، وهو ما يستدعي وجود كيان مالي قادر على التدخل السريع لسد الفجوة بين الحكم والتنفيذ، خاصة في حالات تعثر سداد النفقة.
وأضاف أن نجاح هذا الصندوق يعتمد على وضوح مصادر تمويله، وكفاءة إدارته، وقدرته على تحقيق توازن بين الاستدامة المالية وسرعة الاستجابة لاحتياجات الأسر.
واختتم سرور تصريحاته بالتأكيد على أن هذه الحزمة التشريعية تمثل فرصة حقيقية لإعادة ضبط منظومة الأحوال الشخصية في مصر، لكنها في الوقت ذاته تتطلب نقاشًا مجتمعيًا وبرلمانيًا واسعًا، لضمان صياغة نصوص دقيقة وقابلة للتطبيق، لا تفرز أزمات جديدة مستقبلاً.

















0 تعليق