اﻻﻧﺘﺤﺎر.. ﺣﻴﻦ ﻳﺘﺤﻮل اﻷﻟﻢ إﻟﻰ »ﻗﺎﺗﻞ«

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الضغوط النفسية سبب إقدام البعض على إنهاء حياته

خبراء: لا بد من تدعيم الأشخاص الضعاف نفسيًا... والطب النفسى لديه الكثير من الحلول

 

أربع حالات انتحار فى أيام قليلة، هذه الحالات أصابت المجتمع المصرى بحالة من الصدمة والذهول، شيخ كبير وشاب وفتاة فى مقبل العمر وأسرة بكاملها فقدوا جميها حيواتهم فى لحظات ضعف، وسببوا حالة من الألم للمجتمع كله وتساؤلات تبحث عن إجابات وافية، فلماذا يقرر الإنسان الذى كرمه الله أن ينهى حياته فجأة بهذا الشكل؟ ولماذا لم يتحرك أحد لإنقاذ أى من هؤلاء قبل وقوع الكارثة؟

ففى الوقت الذى تتزايد فيه الضغوط النفسية بشكل غير مسبوق أصبح الانتحار من القضايا التى تتداخل فيها الأبعاد الدينية والتعقيدات النفسية والاجتماعية بشكل كبير، فهو فى ميزان الشريعة من الكبائر التى حذر منها الله سبحانه وتعالى، وفى كثير من الحالات يعبر عن اضطرابات نفسية تضع صاحبها فى صراع دائم، ولا يأتى هذا الفعل غالبًا من قرار واع كامل، بل من تراكم ضغوط نفسية واضطرابات قد تضعف قدرة الإنسان على التفكير بشكل صحيح، فتغير رؤيته للحياة حتى لا يرى إلا طريقًا واحدًا يظن أنه المخرج للراحة والهروب تاركًا الألم والحسرة فى قلوب المحيطين به، ومخلفا صدمة مجتمعية للجميع.

ويرتبط انتشار حالات الانتحار فى كثير من الأحيان بعوامل اقتصادية واجتماعية، إلى جانب أسباب نفسية وعاطفية مثل الاكتئاب والصدمات النفسية وتعاطى المخدرات، والضغوط الدراسية، ووفقًا لـ منظمة الصحة العالمية، يعد الانتحار رابع سبب رئيسى للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا، حيث يسجل أكثر من 700 ألف حالة وفاة سنويًا على مستوى العالم.

كما اشار التقرير العالمى للانتحار لعام 2019 إلى أن أكثر من 77% من حالات الانتحار تحدث فى الدول المنخفضة ومتوسطة الدخل وهو ما يعكس ارتباط الظاهرة بعوامل اقتصادية واجتماعية إلى جانب الأبعاد النفسية، فلم تعد حالات الانتحار مجرد أخبار تتداول يوميًا، بل أصبحت ظاهرة تفرض نفسها بأسئلة أعمق حول أسبابها ودوافعها وكيفية التعامل معها.

وفى مصر تألمنا جميعا لمشهد ماهر ذلك الرجل المسن الذى شنق نفسه على أسوار مستشفى بإحدى قرى محافظة دمياط، بعد أن فشل فى الحصول على معاش وعلاج إذ كان يعانى من عجز فى قدمه وضعف فى البصر مما أقعده عن العمل كسائق. وما كاد المجتمع ينسى هذه الوقائع حتى تكرر نفس المشهد المأساوى مرة أخرى فى منطقة المظلات بالقاهرة، حيث انتحر شاب على أحد الكبارى، قبلها بأيام كانت واقعة سيدة غيط العنب التى قررت الانتحار هى وأبناؤها الستة بعد أن ضاقت بهم سبل العيش. كل هذه الوقائع جعلت الجميع يتساءلون عن سر زيادة حالات الانتحار بهذا الشكل؟

 

صرخة استغاثة

لجأنا للخبراء بحثًا عن إجابات فقال الدكتور شريف الراعى رئيس قسم الإرشاد النفسى بقطاع المدن الجامعية فى جامعة عين شمس، إن الأفكار الانتحارية ليست «وصمة عار» كما يعتقد البعض، بل تمثل فى حقيقتها صرخة استغاثة صامتة من عقل لم يعد قادرًا على تحمّل حجم الألم النفسى المتراكم، مشددًا على ضرورة التعامل مع هذه الحالات بقدر كبير من الوعى والرحمة، بدلًا من إصدار الأحكام أو التقليل من معاناة أصحابها.

وأوضح أن كثيرًا من الأشخاص الذين تراودهم هذه الأفكار لا يكون هدفهم الحقيقى هو «الموت» بحد ذاته، وإنما البحث عن نهاية للوجع الداخلى الذى أصبح يفوق طاقتهم على الاحتمال، قائلًا: «أحيانًا لا يكون الموت هو المطلب، بل نهاية الألم الذى لم يعد القلب يتسع له»، مشيرًا إلى أن خلف كل فكرة لإنهاء الحياة حكاية ألام صامتة تحتاج لمن يسمعها ويفهمها قبل أن يحكم عليها.

وأضاف أن الوصول إلى هذه المرحلة النفسية المعقدة لا يرتبط بالاكتئاب فقط، رغم كونه أحد أبرز العوامل، بل يتداخل مع شبكة واسعة من الأسباب النفسية والاجتماعية والبيولوجية، من بينها اضطرابات نفسية مثل اضطراب الشخصية الحدية أو الاضطراب ثنائى القطب أو الفصام، فضلًا عن التعرض لصدمات حياتية قاسية، كفقدان شخص عزيز بشكل مفاجئ، أو المرور بأزمات مالية حادة، أو التعرض لانتهاكات جسدية أو نفسية، إلى جانب المعاناة من أمراض عضوية مزمنة تؤثر على جودة الحياة، وكذلك الشعور بالعزلة وغياب الدعم الاجتماعى.

وأشار إلى أن الرغبة فى إنهاء الحياة تُفسَّر فى علم النفس بمفهوم «انسداد الأفق»، حيث يفقد الشخص فى تلك اللحظة القدرة على رؤية أى بدائل أو حلول ممكنة، ويشعر وكأنه محاصر داخل دائرة مغلقة من الألم، موضحًا أن «الغالبية العظمى ممن تراودهم هذه الأفكار يعيشون صراعًا داخليًا مؤلمًا بين جزء يريد الهروب من المعاناة، وجزء آخر لا يزال متمسكًا بالحياة، لكنه يحتاج فقط لمن يمد له يد العون ويخفف عنه وطأة هذا الحمل الثقيل».

وتابع أن تشبيه هذه الحالة يشبه شخصًا عالقًا داخل غرفة تحترق، حيث لا يكون القفز من النافذة حبًا فى السقوط، بل محاولة يائسة للهروب من النيران التى تلتهمه، وهو ما يعكس حجم الألم الذى قد يدفع البعض لاتخاذ قرارات مأساوية فى لحظات ضعف شديدة.

وفيما يتعلق بدور مواقع التواصل الاجتماعى، أكد أنها أصبحت سلاحًا ذا حدين، إلا أن تأثيرها السلبى قد يكون واضحًا فى بعض الحالات، من خلال ما يُعرف بـ«فخ المقارنة»، حيث يرى المستخدمون صورًا مثالية لحياة الآخرين، ما يعزز لديهم الشعور بالنقص أو الفشل، إضافة إلى ما وصفه بـ«العزلة الرقمية»، إذ يقضى الفرد ساعات طويلة على هذه المنصات دون أن يحظى بتواصل إنسانى حقيقى، كالدعم المباشر أو الاحتواء، فضلًا عن ظاهرة التنمر الإلكترونى التى قد تمثل فى بعض الأحيان «القشة التى تقصم ظهر البعير» لدى الأشخاص الأكثر هشاشة نفسيًا.

 

العلاج

وأكد أن التعامل مع هذه الحالات لا يقتصر على أسلوب واحد، بل يعتمد على مبدأ التكامل بين العلاج الدوائى والعلاج النفسى، موضحًا أن الأدوية تلعب دورًا مهمًا فى إعادة التوازن للكيمياء الحيوية فى المخ، خاصة فى حالات الاكتئاب الحاد، مما يساعد الشخص على استعادة قدرته على التفكير والتفاعل، بينما تسهم الجلسات النفسية، مثل العلاج المعرفى السلوكى، فى تعديل أنماط التفكير السلبية، وتعليم مهارات التعامل مع الضغوط والأزمات بشكل أكثر صحة.

وشدد على أن طلب المساعدة النفسية لا يُعد ضعفًا كما يعتقد البعض، بل هو خطوة شجاعة نحو التعافى، مؤكدًا أن الأفكار الانتحارية ليست قدرًا محتومًا، بل عرض لحالة يمكن علاجها والتغلب عليها إذا توفرت الرعاية والدعم المناسبان.

واختتم حديثه برسالة إنسانية قائلًا إن «الانتحار حل دائم لمشكلة مؤقتة»، مشيرًا إلى أن المشاعر مهما بلغت شدتها فهى قابلة للتغير، وأن الأزمات، مهما طالت لا تدوم، مؤكدًا أن الطب النفسى يمتلك اليوم أدوات فعالة تساعد الإنسان على إعادة ترتيب الفوضى الداخلية واستعادة التوازن داعيًا كل من يمر بهذه اللحظات إلى منح نفسه فرصة جديدة للحياة، والبحث عن المساندة قبل فوات الآوان.

 

من الكبائر

وعلى الجانب الآخر أكد الدكتور أحمد متولى سعد، الأستاذ بكلية التربية بجامعة الأزهر، أن الانتحار فى الإسلام يعد من كبائر الذنوب وإثمًا عظيمًا، لكنه لا يخرج صاحبه من الملة، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء، مشددًا على ضرورة التعامل مع هذه الحالات بمنطق الرحمة والدعاء، لا الإقصاء أو التكفير.

وقال إن اليأس والقنوط من رحمة الله من أبرز الدوافع التى قد تقود إلى هذه النهاية المؤلمة، إلى جانب الجهل بحقيقة الأحكام الدينية ومقاصدها، مشيرًا إلى أن الإسلام نهى نهيًا صريحًا عن إيذاء النفس، مستشهدًا بقوله تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا».

وأوضح أن التعامل مع هذه الظاهرة لم يعد كافيًا فيه الوعظ المجرد، بل يتطلب رؤية متوازنة تجمع بين الفهم النفسى العميق والتأصيل الدينى الرشيد، رؤية تنصف الإنسان وتفتح له أبواب الأمل بدلًا من أن تغلقها.

وأشار إلى أن ما يمر به الإنسان من مشاعر يأس أو فقدان للأمل لا يمكن اختزاله فى كونه ضعفًا، بل قد يُفهم فى إطار أوسع بوصفه نوعًا من الابتلاء، لافتًا إلى أن التصور الإسلامى ينظر إلى الأزمات النفسية، بما فيها الحزن الشديد، باعتبارها جزءًا من طبيعة الحياة، مستدلًا بقوله تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ…».

وأضاف أن هذا الفهم لا يعنى تبرير اليأس أو الاستسلام له، إذ يرفض الدين القنوط رفضًا قاطعًا، ويؤكد سعة الرحمة الإلهية، كما فى قوله تعالى: «لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ»، وقوله: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»، بما يعيد توجيه الإنسان نحو الأمل والرجاء.

وبيّن أن المنهج الإسلامى فى التعامل مع هذه المشاعر يقوم على التوازن بين الإيمان والعمل؛ فالإيمان يعزز حسن الظن بالله، بينما يفرض العمل الأخذ بالأسباب، ومن بينها اللجوء إلى المختصين فى الصحة النفسية، مؤكدًا أن ذلك لا يتعارض مع التوكل، بل يُعد جزءًا من حفظ النفس الذى أمر به الشرع، وأن مفهوم الصبر يحتاج إلى تصحيح، إذ لا يعنى الكبت أو الإنكار، بل هو قدرة على التماسك والسعى نحو التغيير، مستشهدًا بقوله تعالى: «وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ»، وبالحديث الشريف: «عجبًا لأمر المؤمن…».

وأوضح أن الشعور بالحزن أو الإرهاق النفسى لا يُحاسب عليه الإنسان فى ذاته، لأن الإسلام يقرر أن الإنسان لا يكلّف إلا فى حدود استطاعته، مستشهدًا بقوله تعالى: «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا»، وبالحديث: «إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها»، وهو ما يخفف عبئًا نفسيًا كبيرًا عن الإنسان.

وأشار إلى أهمية الدعاء كوسيلة روحية داعمة، موضحًا أنه يمثل حالة اتصال عميق بالله تمنح الإنسان الطمأنينة، مستشهدًا بقوله تعالى: «ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ»، وبما ورد عن النبى- صلى الله عليه وسلم- من أدعية للتخفيف من الهم والحزن.

واختتم حديثه مؤكدًا أن الأزمات النفسية لا تواجه باللوم أو الإدانة، بل تحتاج إلى دعم روحى وإنسانى متكامل، يعزز الأمل ويشجع على طلب المساعدة، مشددًا على ضرورة تكامل الخطاب الدينى مع العلاج النفسى، بما يُسهم فى إعادة التوازن للإنسان ومساعدته على التعافى.

a3e6e53d4a.jpg
84a0e09dfe.jpg
1da7b5d0af.jpg
3bb8a2f8ef.jpg

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق