اجابت دار الإفتاء المصرية، عبر موقعها الرسمي، على سؤال يقول صاحبه: “ما حكم فصل التوأمين الملتصقين إذا كان يترتب على ذلك موت أحدهما؟”.
وقالت الإفتاء، إنه إذا قرر الأطباء المُختصِّون -بعد الفحص الدَّقيق- أنَّ عمليةَ فصل التَّوأمين ممكنة من النَّاحية الطبِّيَّةِ والعلميةِ، ولا تُشكِّلُ خطرًا مُحقَّقًا أو غالبًا على حياة التوأمين أو أحدهما، بل يُرجى من إجرائها تحقيق السَّلامة، وتمكين كلِّ منهما من الاستقلال في بِنْيَتِه ومَعِيشَتِه دون تهْلُكةٍ أو ضررٍ جَسيمٍ لأحدهما أو كليهما -جاز حينئذٍ الإقدام عليها، وتكون من باب التَّداوِي المشروع الذي أذِنَ به الشَّرع الشريف
أوضحت الإفتاء، أنه إذا كان فصلُهما يودِي بحياتهما أو حياة أحدهما أو يُورث ضررًا أعظم من بقاء الالتصاق -على جهة اليقين أو غلبة الظن-، فإن الإقدام على فصلهما في هذه الحالة أمر محظورٌ مُحرَّمٌ شرعًا، وعلى التوأمين حينئذ الرِّضا بقضاء الله تعالى، والتَّسليم لحكمه، والصبر على هذا البلاء، والتَّعايش معه ما أمكن؛ رجاءَ عظيم الأجر، وطلبًا لجزيل المثوبة.
تفصيل الفتوى
فصل التوائم الملتصقة بين القدرة الإلهية والعلم الحديث
من آيات الله تعالى الباهرة، ودلائل قدرته القاهرة، ما سخَّره سبحانه لعباده في هذا العصر من أدوات العلم ومناهج الابتكار، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقال جل شأنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [الجاثية: 13]، لا سيَّما ما تحقَّقَ في ميدان الطب والجراحات الدَّقيقة من إمكان فصل التَّوأمين المُلتصقين -في بعض الحالات- عبر عملية جراحية يتم فيها إزالة ورفع ما بين جسدي التوأمين من التصاق والتحام بما يُحقِّق لكلٍّ منهما -حال نجاح الجراحة- بِنْيَةً مستقلَّة، وهيئةً مُتمايزة، وجسدًا قابلًا للحياة والنَّماء بذاته، دون افتقار أو تبعيَّةٍ للآخر.
حكم فصل التوأمين الملتصقين إذا ترتب عليه موت أحدهما
الشَّأن في جراحات فصل التَّوائم المُلتصقة أنَّها لا تتم إلَّا بعد تشخيصٍ دقيقٍ يتم من خلاله الوقوف على بعض التَّفاصيل الطِّبيَّة -والتي تتفاوت تبعًا لكل حالة على حدة- كالعلم بمواضع الالتصاق، ومعرفة الأعضاء المُشتركة، وإمكانية الفصل من عدمها ونحو ذلك، مع النَّظر في العواقب والمآلات، ومدى تهديد ذلك لحياة التوأمين أو أحدهما.
فإذا تبيَّن لدى الأطباء المُختصِّين -على جهة اليقين أو الظن الغالب- أن هذه الجراحة قد تُودِي بحياة التوأمين أو أحدهما -كما هو محل السؤال- أو تكون سببًا في ذلك، أو قد تُفْضِي إلى حدوث مُضاعفات أشد ضررًا على التَّوأمين من الألم المُصاحب لالتصاقهما، فيكون إقدام الطبيب على فصل التَّوأمين حينئذ إجراءً محظورًا مُحرَّمًا شرعًا -دون اعتداد بإذن التَّوأمين أو أوليائهما إن أذنوا في ذلك-؛ عملًا بعموم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ففيها "النَّهي عن التَّسببِ في إتلاف النَّفس"، كما في "التحرير والتنوير" للإمام الطَّاهر بن عاشور (2/ 214، ط. الدار التونسية للنشر)، وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، إذ قد "أجمع المُتأوِّلون أنَّ المقصدَ بهذه الآية النَّهي عن أن يقتلَ بعض الناسِ بعضها، ثم لفظها يتناول أن يقتلَ الرَّجل نفسه بقصدٍ منه للقتلِ، أو بأن يحملها على غررٍ ربما مات منه، فهذا كله يتناوله النهي"، كما في "المحرر الوجيز" للإمام ابن عطيَّة (2/ 42، ط. دار الكتب العلمية).
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا ضَرَر وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الإمامان: أحمد، وابن ماجه.
فضلًا عمَّا استقر عليه العمل في القواعد الشرعية من أنَّ "الضرر الأشد يُزال بالأخف"، كما في "الأشباه والنَّظائر" للإمام ابن نُجَيم.
إضافة إلى أنَّ الغرض المرجو من التَّداوي والعلاج بكافة صوره وأشكاله -سواء كان عن طريق العقاقير أو الجراحات أو نحو ذلك- أن يكون مظنَّة للشفاء والتَّخْفيف عن المريض، لا أن يكون ذريعة للتَّهلُكة أو سببًا في تفاقُم الضرر، إذ المُقرر في القواعد الفقهية أنَّ "للوسائل أحكام المقاصد" كما في "قواعد الأحكام" للإمام العز بن عبد السلام.
على أن بقاء التَّوأمين ملتصقين على حالهما، وما يستتبع ذلك من تداخل مصالحهما، وامتزاج حوائجهما وإن كان يورث حرجًا عظيمًا، وأذى بالغًا لا تنفك معه الحياة عن ألمٍ دائم، أو عجزٍ مُقيم إلَّا أن خير ما يفعله المؤمن -التوأمان- في هذه الحالة أن يقف مع بلائه بحسن الأدب وذلك بالصبر عليه، والاستعانة بالله تعالى، والتماس الأجر منه عز وجل في الآخرة كما وعد بذلك الصَّابرين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].


















0 تعليق