عندما شن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب هجوما على إيران فى 28 فبراير الماضى، وصفت الصحيفة الأمريكية نيويورك تايمز قراره بأنه متهور، إذ خاض الحرب دون الحصول على موافقة الكونجرس أو دعم معظم الحلفاء، وقدم تبريرات ضعيفة ومتناقضة للشعب الأمريكى، دون أن يوضح كيف يمكن لهذا المسعى الساذج لتغيير النظام أن ينجح، رغم أن محاولات سابقة للولايات المتحدة فى العراق وأفغانستان وغيرها انتهت بالفشل.
وخلال الأسابيع الستة التى تلت ذلك، بدا أن هذا التهور يزداد وضوحا، إذ تجاهل ترامب التخطيط العسكرى الدقيق، واعتمد على الحدس والتمنيات فى قراراته. وبعد أن توقع رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو أن تؤدى الضربات إلى انتفاضة داخل إيران، عارض مدير وكالة الاستخبارات المركزية هذا الطرح ووصفه بأنه سخيف، وفقا لما نقلته الصحيفة، ومع ذلك مضى ترامب قدما دون خطة واضحة للتعامل مع ردود الفعل الإيرانية، بما فى ذلك احتمال إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، كما لم يضع استراتيجية لحماية اليورانيوم عالى التخصيب الذى يمكن لإيران استخدامه لإعادة بناء برنامجها النووى.
وفى تطور لاحق، انتقل ترامب بشكل متقلب من تهديدات وصفت بأنها غير قانونية وغير أخلاقية بمحو الحضارة الإيرانية، إلى إعلان وقف إطلاق نار فى اللحظة الأخيرة، لم يحقق سوى القليل من الأهداف المعلنة للحرب. وبينما لا تزال إيران تتحدى جزءا أساسيا من الاتفاق وتقيّد حركة الملاحة فى مضيق هرمز، تجد الولايات المتحدة نفسها على شفا هزيمة استراتيجية مذلة.
وتؤكد افتتاحية نيويورك تايمز أن النظام الإيرانى لا يستحق التعاطف، إذ أمضى عقودا فى قمع شعبه ودعم الإرهاب فى الخارج، إلا أن الحرب، إلى جانب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية فى يونيو وعمليات إسرائيل منذ 2023، أضعفت إيران عسكريا واستراتيجيا، رغم أن ذلك لم يمنعها من تعزيز أوراق ضغط جديدة.
وتعرض الافتتاحية أربع انتكاسات رئيسية تراها الصحيفة نتجت عن هذه الحرب، وتؤثر على المصالح الوطنية الأمريكية وعلى موقعها العالمى، بل وتمتد آثارها إلى النظام الديمقراطى العالمى فى وقت يتزايد فيه شعور الأنظمة السلطوية فى الصين وروسيا بالجرأة.
أولى هذه الانتكاسات تتمثل فى تعزيز نفوذ إيران على الاقتصاد العالمى عبر تحويل مضيق هرمز إلى أداة ضغط استراتيجية، إذ يمر عبره نحو 20 فى المئة من إمدادات النفط والغاز الطبيعى المسال عالميا، فى حين أصبح التهديد بإغلاقه أداة منخفضة التكلفة لكنها عالية التأثير، مع صعوبة عسكرية كبيرة لإعادة فتحه بالقوة.
وتشير الصحيفة إلى أن غياب رؤية ترامب تجاه هذا الملف يكشف خللا فى التخطيط، إذ لم يعد وقف إطلاق النار كافيا لإعادة الوضع إلى ما كان عليه، بينما تستمر إيران فى فرض قيود على الملاحة وطرح رسوم عبور محتملة، ما يمنحها نفوذا دبلوماسيا لم يكن متاحا لها قبل أسابيع قليلة.
أما الانتكاسة الثانية فتتعلق بالمكانة العسكرية الأمريكية، حيث استنزفت الحرب، إلى جانب دعم أوكرانيا وإسرائيل وحلفاء آخرين، مخزونات أسلحة متقدمة مثل صواريخ توماهوك وأنظمة باتريوت، مع تقديرات تشير إلى استخدام أكثر من ربع مخزون توماهوك خلال العمليات، ما يفرض تحديات طويلة الأمد على القدرات العسكرية الأمريكية.
كما تكشف الحرب عن تحول فى طبيعة الصراع، إذ باتت الأسلحة منخفضة التكلفة مثل الطائرات المسيرة قادرة على تعطيل الملاحة وفرض استنزاف على قوة عسكرية متقدمة مثل الولايات المتحدة، ما يعكس حاجة ملحة لإعادة تقييم الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية.
أما الانتكاسةُ الثالثة فتتمثل فى تراجع التحالفات الدولية، إذ امتنعت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا وكندا ومعظم أوروبا الغربية عن دعم الحرب، ورفضت الانخراط فى جهود إعادة فتح مضيق هرمز، ما يعكس، بحسب الصحيفة، تآكلا فى الثقة بالولايات المتحدة كشريك موثوق، ودفع العديد من الحلفاء إلى تعزيز تعاونهم فيما بينهم بعيدا عن واشنطن.
وتشير الافتتاحية إلى أن هذا التراجع فى الثقة لا يقتصر على أوروبا وآسيا، بل يمتد إلى الشرق الأوسط، حيث رغم احتمال تقارب بعض الدول مع واشنطن، فإن دول الخليج، بما فيها السعودية، تشعر بقلق متزايد من تداعيات الحرب ومن طريقة إدارة ترامب للأزمة.
أما الانتكاسة الرابعة فتتعلق بالسلطة الأخلاقية للولايات المتحدة، إذ ترى الصحيفة أن تهديدات ترامب، إلى جانب تصريحات وزير دفاعه بيت هيغسيث، قوضت صورة أمريكا كقوة تدافع عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل وطرحت تساؤلات حول تجاوزات قد ترقى إلى جرائم حرب، وهو ما يتناقض مع الدور الذى قادته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية.
وتخلص الافتتاحية إلى أن إخفاقات هذه الحرب لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد خطأ سياسى، بل كتهديد مباشر لأسس القيادة الأمريكية العالمية، خاصة مع استغلال الأنظمة السلطوية لهذا التراجع.
ورغم النقد الحاد، تؤكد الصحيفة أنها لا تتمنى فشل الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن أى ضعف أمريكى ينعكس على العالم الحر بأكمله، فى ظل غياب قوة ديمقراطية بديلة قادرة على موازنة النفوذ الصينى والروسى.
وتختتم الافتتاحية بدعوة واضحة إلى تغيير النهج، عبر إلزام الإدارة الأمريكية بالعودة إلى مؤسسات القرار التقليدية، وعلى رأسها الكونجرس، وإعادة بناء التحالفات، بدل الاعتماد على قرارات فردية مرتجلة أدت إلى هذا المستوى من المخاطر الاستراتيجية.


















0 تعليق