فرصة إسلام آباد الضائعة!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

تعلم الإيرانيون من الأمريكيين سياسة "حافة الهاوية"، لذا انتهت جولة المفاوضات الماراثونية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد بين الوفدين الأمريكي والإيراني دون إعلان اتفاق طال انتظاره. ورغم الجهود المكثفة والوساطات الدولية والإقليمية التي قادتها باكستان بدعم صيني خفي، ومساع مصرية تركية قطرية، غادر نائب الرئيس الأمريكي "جي دي فانس" والوفد المرافق له، تاركين خلفهم تساؤلات كبرى حول مستقبل التهدئة في الشرق الأوسط.

يبدو ان عقدة الأمن الإقليمي مقابل السيادة البحرية كانت أحد أهم أسباب الفشل المتحقق، فهذا الإخفاق لم يكن نتاجا لخلافات على ملف الطاقة النووية فحسب، بل كان اصطداما مباشرا بين رؤيتين متناقضتين تماما للأمن.

دخلت واشنطن المفاوضات وهي تحمل فيتو مزدوجا، الأول يتعلق بضرورة إدراج أمن إسرائيل وجبهة الشمال (إسرائيل- لبنان) كبند أصيل في أي اتفاق، والثاني هو رفض تقديم أي تنازلات حول الملف المالي والأرصدة الإيرانية المجمدة والتي تتجاوز 100 مليار دولار وفقا للبنك الدولي، لاسيما أرصدة قطر المقدرة بحوالي 6 مليارات دولار دون ضمانات ملموسة من جهة طهران بوقف دعم الفصائل في الاقليم.

في المقابل، فاجأت طهران المفاوضين برفع سقف مطالبها إلى حد السيادة الاقتصادية البحرية على منطقة مياه دولية، متمثلة في طرح ملف رسوم للعبور من مضيق هرمز، وهو ما اعتبرته واشنطن وحلفاؤها الخليجيون خطا أحمر يهدد حرية الملاحة الدولية.
و هذا التشدد الإيراني قوبل بتصلب أمريكي، مما حول الجلسة الأخيرة التي استمرت 21 ساعة من محاولة للحل إلى إدارة للفشل.

ورغم الغياب الإسرائيلي عن الطاولة، كان طيفها حاضرا بلا شك في أدق تفاصيل التفاوض؛ إذ إن الضغط الإسرائيلي عبر القنوات الاستخباراتية والتشكيك في النوايا الإيرانية جعل الوفد الأمريكي يتحرك بحذر شديد، خشية إبرام صفقة منقوصة قد تفجر الأوضاع ميدانيا في وقت لاحق. أما الموقف الخليجي، فقد كان حاسما في رفض أي مقايضة تمس استقرار الممرات المائية، أو تمنح إيران "شيكا على بياض لتمويل نفوذها الإقليمي من الأرصدة المفرج عنها، ولا شك أن الخليج محق في تخوفه.

وعلى الرغم من الحضور الصيني في كواليس إسلام آباد، والذي أعطى انطباعا بأن بكين هي الراعي الجديد للتوازنات في آسيا، إلا أن الضمانات الصينية لم تكن كافية لسد فجوة الثقة العميقة بين واشنطن وطهران. لقد أثبتت بكين أنها تستطيع جلب الأطراف إلى الطاولة، لكنها لا تملك أو ربما لا ترغب حالياً في ممارسة ضغط نهائي يجبر الطرفين على التنازل عن ثوابتهما الاستراتيجية.

إن فشل اتفاق إسلام آباد ليس مجرد عثرة دبلوماسية، بل هو مؤشر على أن المنطقة لا تزال تعيش فوق صفيح ساخن. لقد غادر الطرفان الطاولة بجيوب فارغة، مع الإبقاء على قنوات تواصل واهنة، مما يفتح الباب أمام تساؤل مرير:  هل ننتظر جولة أخرى في عاصمة جديدة، أم أن الميدان سيكون هو المترجم الوحيد للغة الخلاف في المرحلة القادمة؟

لقد كانت إسلام آباد نافذة للحل، لكنها أظهرت أيضا أن ثمن السلام في الشرق الأوسط لا يزال أغلى مما يستطيع أي طرف دفعه في الوقت الراهن.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق