تضخم مرتفع.. تراجع ثقة المستهلكين.. وانقسام سياسى محتدم
تشير تقديرات نقلتها صحيفة فاينانشال تايمز إلى أن التكلفة الإجمالية للحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران تتراوح بين 22.3 مليار دولار و31 مليار دولار منذ أن أمر الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قوات بلاده بتنفيذ هجمات فى أواخر فبراير الماضى.
وفى موازاة ذلك، ركزت إيران عملياتها على استهداف أنظمة الرادار والاتصالات داخل القواعد الأمريكية المنتشرة فى الشرق الأوسط. وأدى توسع قائمة المعدات المتطورة والنادرة التى تعرضت لهجمات إلى إثارة قلق لدى محللين ومسئولين عسكريين سابقين بشأن ما وصفوه بإفراط الولايات المتحدة فى استهلاك موارد عسكرية يمكن توجيهها إلى جبهات أخرى أكثر أهمية استراتيجيًا.
ويقدر مارك كانسيان، كبير مستشارى الدفاع والأمن فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن تكلفة الحملة تصل إلى نحو نصف مليار دولار يوميًا. كما تشير تقديراته إلى أن الخسائر القتالية الأمريكية خلال الأيام الستة الأولى فقط من القتال بلغت ما لا يقل عن 1.4 مليار دولار، قبل أن تتراجع وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية لاحقًا.
وتتفاوت تقديرات الخسائر الأمريكية تبعًا لاختلاف المنهجيات والمعايير المستخدمة فى حسابها. ومع استمرار التكاليف، يشير محللون دفاعيون إلى أن خسائر الولايات المتحدة لا تزال أقل مقارنة بحروب أخرى خاضتها ضد خصوم متكافئين. ومع ذلك، يطلب البنتاجون من الكونجرس تمويلًا إضافيًا يقدر بنحو 200 مليار دولار لدعم العمليات العسكرية، ما يعكس حجم الضغط العملياتى المتزايد.
على الجانب الاقتصادى، بدأت تداعيات الحرب تمتد إلى الداخل الأمريكى، حيث ارتفع معدل التضخم إلى أعلى مستوى له فى عامين خلال مارس، فى وقت هبطت فيه ثقة المستهلكين إلى مستويات قياسية متدنية. ويرى محللون أن تزاوج ارتفاع الأسعار مع تراجع معنويات المستهلكين يشكل إشارة إنذار مبكرة للجمهوريين الساعين للاحتفاظ بالأغلبية فى انتخابات التجديد النصفى.
وبحسب بيانات وزارة العمل الصادرة الجمعة، ارتفع التضخم السنوى إلى 3.3% فى مارس، مدفوعًا بزيادة حادة فى أسعار البنزين بلغت 21.2%. واحتلت تكاليف الطاقة نحو ثلاثة أرباع الزيادة الشهرية فى مؤشر أسعار المستهلك. وفى المقابل، أشار استطلاع أجرته جامعة ميشيغان إلى أن المستهلكين يعزون تدهور الوضع الاقتصادى إلى الحرب، ما أدى إلى انخفاض مؤشر الثقة إلى ما دون أدنى مستوياته منذ ذروة التضخم بعد الجائحة.
وقال مايك ريد، رئيس قسم الاقتصاد الأمريكى فى بنك آر بى سى إن الوضع واقعى للغاية بالنسبة للمستهلكين وأضاف أن الارتفاع الحالى فى التضخم يعود بشكل أساسى إلى أسعار الطاقة التى تتسم بالتقلب، لكن التحدى الحقيقى يتمثل فى مدة استمرار الصراع فى الشرق الأوسط، ومدى انتقال تأثير ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية الاقتصاد.حسبما نقلت صحيفة بوليتيكو.
وفى السياق السياسى، استغل الديمقراطيون موجة التضخم الناتجة عن الحرب للهجوم على إدارة ترامب. وقال كين مارتن، رئيس اللجنة الوطنية الديمقراطى إن سياسات ترامب التجارية المتهورة و«حربه غير الشعبية مع إيران» لم تنتج سوى ارتفاع الأسعار للأمريكيين. كما قالت السيناتور إليزابيث وارين إن «كل عائلة تحاول تعبئة خزان الوقود أو شراء البقالة تعرف تماما من المسئول».
فى المقابل، قال مسئولون فى البيت الأبيض إن موجات ارتفاع الأسعار واضطرابات السوق الناجمة عن الحرب ستكون مؤقتة. ونشر كوش ديساى، المتحدث باسم البيت الأبيض على منصة إكس بعد صدور بيانات التضخم، أن ترامب كان واضحًا بشأن الاضطرابات قصيرة الأجل الناتجة عن عملية «إبيك فيورى»، مؤكدا أن الإدارة تعمل على الحد من آثارها. وأضاف أن أسعار بعض السلع الأساسية مثل البيض ولحم البقر والأدوية ومنتجات الألبان إما تتراجع أو تبقى مستقرة نتيجة سياسات الرئيس.
وسجل معدل التضخم الأساسى، الذى يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، ارتفاعًا سنويًا بلغ 2.6% فى مارس، وهو أقل من توقعات معظم الاقتصاديين، لكنه أعلى من 2.5% المسجلة فى فبراير. ويرى محللون أن ذلك يشير إلى أن آثار الحرب على إيران لا تزال محصورة إلى حد كبير فى قطاع الطاقة، وهو ما يعتبره صناع السياسة النقدية فى مجلس الاحتياطى الفيدرالى تطورًا مطمئنًا نسبيًا، مع احتمال رفع أسعار الفائدة لاحقًا هذا العام.
وقال مايكل ميتكالف، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلى فى ستيت ستريت ماركتس إن الزيادة الحالية فى التضخم «كبيرة بما يكفى لتؤثر على الدخول الحقيقية فورًا»، لكنه أشار إلى أن التضخم الأساسى يبدو حتى الآن تحت السيطرة نسبيًا، مضيفًا: «لا يبدو الوضع كما كان فى عام 2022».
ومع ذلك، أظهر مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصى، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطى الفيدرالى، ارتفاعا فى المكونات الأساسية بنسبة 3% فى فبراير، ما يقلل من هامش المناورة أمام البنك المركزى إذا ما امتدت صدمة أسعار النفط إلى قطاعات أخرى غير الطاقة.
وقال جو تريسى، كبير المستشارين السابقين فى بنكى الاحتياطى الفيدرالى فى نيويورك ودالاس والزميل فى معهد أمريكان إنتربرايز إن صناع السياسة النقدية «يجب أن يكونوا قلقين بالفعل بشكل جدى»، محذرا من أن استمرار الصدمات وارتفاع التضخم قد يؤدى إلى اضطراب فى توقعات الأسعار ويزيد من صعوبة السيطرة عليها فى المستقبل.


















0 تعليق