احتلت صور ضحايا مدرسة «ميناب» طائرة الوفد الإيرانى المفاوض فى رحلتها لباكستان، قبيل لقاء الوفد الأمريكى. ونشرت وزارة الخارجية الإيرانية صور وممتلكات الأطفال شهداء القصف الأمريكى على مدرسة فى مدينة ميناب جنوب إيران، على متن الطائرة التى كانت تقل الوفد الإيرانى المفاوض إلى إسلام آباد. وأطلق على الرحلة اسم «ميناب 168»، للإشارة إلى استهداف المدرسة وعدد الضحايا الذين ارتقوا فى الهجوم.
ويحبس العالم أنفاسه وتتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية، حيث انطلقت مفاوضات رفيعة المستوى بين إيران والولايات المتحدة فى محاولة لتثبيت هدنة هشة بعد حرب الـ 40 يومًا.
تأتى هذه المحادثات فى سياق تاريخى مثقل بالتوتر، منذ أزمة الرهائن فى السفارة الأمريكية بطهران التى استمرت 444 يومًا، مرورًا بتصنيف إيران ضمن «محور الشر» عام 2002، وصولًا إلى انسحاب واشنطن من الاتفاق النووى عام 2018.
كما شكل اغتيال «قاسم سليماني»، القائد السابق لفيلق القدس فى الحرس الثورى الإيرانى، ومن ثم الضربات على المنشآت النووية الإيرانية فى يونيو 2025، شكلت محطات مفصلية عمقت من انعدام الثقة بين الطرفين.
وبلغ التصعيد ذروته مع ضربات منسقة، وأدت إلى اغتيال المرشد الإيرانى الأعلى على خامنئى، ما دفع المنطقة إلى حافة مواجهة مفتوحة فى فبراير الماضي.
ويقود الوفدين نائب الرئيس الأمريكى «جيه دى فانس» ورئيس البرلمان الإيرانى «محمد باقر قاليباف»، فى مشهد يطرح سؤالًا مركزيًا: هل تستطيع هذه الأسماء كسر إرث عقود من التناحر بين واشنطن وطهران؟
وكان، وفدا المفاوضات الأمريكية الإيرانية قد وصلا إلى العاصمة الباكستانية «إسلام آباد»، لإجراء محادثات تثبيت وقف الحرب العدوانية التى استمرت 40 يومًا.
ويضم الوفد الإيرانى المفاوض بقيادة «قاليباف» 70 شخصًا، بمن فيهم الوفد الرئيسى للتفاوض، وفرق الخبراء، وممثلو وسائل الإعلام، وفرق المراسم والحماية المعتادة. و26 عضوًا من اللجان الفنية والمتخصصة فى المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وذلك لتقديم المشورات اللازمة نظرًا للحساسية العالية للمفاوضات.
ويرافق قاليباف فى هذه الزيارة، وزير الخارجية «عباس عراقجي»، وعضو مجلس الدفاع على أكبر أحمديان، ومحافظ البنك المركزى «عبد الناصر همتي»، بالإضافة إلى عدد من نواب المجلس.
وقال رئيس الوزراء الباكستانى شهباز شريف، إن الطرفين قبلا الدعوة إلى الحوار فى إسلام آباد، محذرًا من أن المحادثات ستكون بالغة الصعوبة. وأوضح أن التحدى الأبرز يتمثل فى الانتقال من وقف إطلاق النار المؤقت إلى وقف دائم، عبر معالجة الملفات المطروحة على طاولة التفاوض. وأعربت وزارة الخارجية الباكستانية عن أملها فى تعاون جميع الأطراف مع الجهود المبذولة بروح بناءة. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر باكستانية، أن المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وصلا إلى إسلام آباد للتفاوض مع إيران.
وقالت شبكة «سى إن إن»، نقلًا عن مسئول أمريكى، إن واشنطن تتوقع أن تكون مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران مباشرة وغير مباشرة فى آن واحد.
ونقلت عن مسئول أمريكى أن المفاوضات فى إسلام آباد بين واشنطن وطهران تعد عالية المخاطر، ومن المتوقع أن تعقد بصيغتين متوازيتين، مباشرة وغير مباشرة فى الوقت نفسه. وأوضح مصدر إقليمى للشبكة أن الطرفين يرجح أن يتوصلا أولًا إلى الاتفاق على جدول أعمال المحادثات عبر وسطاء باكستانيين، على أن ينتقلا لاحقًا إلى مناقشات مباشرة وجهًا لوجه.
ويبرز اسم «فانس» كوجه جديد فى مسار التفاوض، بخلاف شخصيات قادت مفاوضات سابقة. وتشير التقارير إلى أن نائب الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» لعب دورًا محوريًا فى إطلاق هذه المحادثات.
ويرى مراقبون أن حضور فانس لا يقتصر على البعد الدبلوماسى، بل يتقاطع مع حسابات أمريكية سياسية داخلية، خصوصًا مع ترجيحات باعتباره مرشحًا مستقبليًا فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، ما قد يدفعه للمحاولة الجادة لتحقيق اختراق يحسب له سياسيًا.
وفى المقابل، تتعامل طهران بحذر وبانعدام ثقة كما صرح مفاوضوها، وينظر إلى هذا الانفتاح فى داخل إيران على أنه اختبار لمسار تفاوضى جديد، بعد فشل قنوات تقليدية سابقة من حيث المفاوضين والوسطاء.
وقال ترامب لـ «صحيفة نيويورك بوست»، بأن إعادة فتح مضيق هرمز عنصر أساسى فى أى اتفاق لوقف إطلاق النار، قبل انطلاق المفاوضات فى إسلام آباد.
وأوضح أن واشنطن ستعرف فرص نجاح المحادثات مع إيران خلال نحو 24 ساعة، مشيرا إلى أن السفن الحربية يجرى تزويدها بأفضل الذخائر لاستئناف الضربات فى حال فشلت محادثات باكستان.
ووفق عدة مصادر، فإن محادثات إسلام آباد تضم قضايا معقدة، أبرزها برنامج تخصيب اليورانيوم الإيرانى وحرية الملاحة التجارية فى مضيق هرمز.
وكان قاليباف قد شدد على أن بدء المفاوضات مشروط بوقف إطلاق النار فى لبنان والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة. فى حين أعرب ترامب عن امتعاضه من طريقة تعامل إيران مع المضيق الاستراتيجى، رغم سريان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.
ومن المقرر أن تنتهى الهدنة الحالية بين الطرفين بتاريخ 22 أبريل الجارى، ما يضع هذه المفاوضات أمام اختبار زمنى حساس، فى ظل تعليمات واضحة للوفود من كل الطرفين بإبرام اتفاق أو الانسحاب.
وبين هذا التاريخ الطويل من العداء، وأسماء جديدة ستجلس على طاولة التفاوض التى يأمل الباكستانيون أن تكون مباشرة هذه المرة، يقرأ محللون فى محادثات إسلام آباد أكثر من مجرد جولة دبلوماسية، بل تتعدى لتكون اختبارًا لإمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى محاولة احتوائه.
من الشيطان الأكبر.. إلى طاولة باكستان
من الشيطان الأكبر.. إلى طاولة باكستان


















0 تعليق