لصوص وجبناء!

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

من الأجدر للدول التي ترسم واقعًا للعالم بأنها نزيهة وشريفة ألا يكون تاريخها مليئًا بالوقائع التي تثبت أنها عصابة ترتدي ثوب الفضيلة المزيفة؛ فعلى مدار عقود طويلة روجت الولايات المتحدة الأمريكية لنفسها باعتبارها حامية القيم الإنسانية وراعية الديمقراطية في العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، مستخدمة شعارات براقة مثل حقوق الإنسان والحريات ومكافحة الإرهاب، غير أن التمعن في مسار تدخلاتها يكشف صورة مختلفة تمامًا، إذ تتهاوى هذه الشعارات أمام واقع مغاير تحكمه حسابات القوة والمصلحة، لتتحول تلك المبادئ إلى غطاء سياسي يبرر تحركات مدروسة تهدف إلى إعادة تشكيل خريطة النفوذ العالمي والسيطرة على مقدرات الدول، وفي مقدمتها الثروات الطبيعية مثل النفط والذهب والمعادن والغاز.

وتشير الوقائع التاريخية إلى أن الولايات المتحدة منذ تأسيسها عام 1776 لم تجعل من السلام خيارًا دائمًا في سياستها الخارجية، فقد ارتبط صعودها العالمي بسلسلة ممتدة من الحروب والتدخلات في شؤون دول أخرى، ما يكشف أن استخدام القوة لم يكن استثناء وإنما قاعدة راسخة في إدارة نفوذها، ومن العراق إلى أفغانستان مرورًا بليبيا وسوريا يتكرر المشهد ذاته، إما تدخل عسكري أو سياسي، ثم انسحاب بعد امتصاص دماء الشعوب، يترك خلفه فراغًا مدمرًا، لتدخل تلك الدول في دوامات من الفوضى وعدم الاستقرار بعد أن تُركت تعاني من النهب، والتخريب المتعمد.

ورغم محاولات التجميل السياسي، خرجت من داخل الدوائر الأمريكية نفسها اعترافات تفضح جوهر هذه السياسات، فقد أقر مسؤولون بارزون بأن النفط كان عاملًا حاسمًا في إشعال بعض الحروب، خاصة في العراق، كما كشفت تصريحات سياسية متفرقة عن إدراك واضح بأن المصالح الاقتصادية تتصدر المشهد، لتصبح مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان مجرد أدوات خطابية فارغة تُستخدم عند الحاجة للضغط فقط، بينما الهدف الحقيقي يتمثل في إحكام السيطرة على الموارد الحيوية وتوجيهها بما يخدم النفوذ الأمريكي، سرقة على المشاع!.

وفي قلب هذه المنظومة يبرز دور المجمع الصناعي العسكري باعتباره أحد أبرز المحركات الخفية، فهو ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل شبكة نفوذ متشابكة تربط بين الشركات الدفاعية الكبرى ومراكز صنع القرار "العصابة"، إذ تعتمد هذه الشركات على صفقات تسليح ضخمة تمولها الحكومات، ما يجعل استمرار التوترات والنزاعات فرصة استثمارية دائمة، ومع تصاعد تأثير جماعات الضغط والتبرعات السياسية يتضح أن القرار يصب في جعبة المصالح الاقتصادية الأمريكية وانعكاس مباشر لها.

ولم تعد أدوات الهيمنة الأمريكية تقتصر على الغزو العسكري المباشر، فقد تطورت لتشمل وسائل أكثر تعقيدًا وأقل تكلفة مثل العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، ففي حين شهدت دول مثل العراق وأفغانستان تدخلًا عسكريًا صريحًا، واجهت دول أخرى مثل فنزويلا وإيران نمطًا مختلفًا من الاستهداف عبر الحصار الاقتصادي الذي يحقق الغاية ذاتها، إنها القدرة العالية على تغيير الأدوات مع ثبات الهدف، وهو السيطرة على الموارد وإخضاع الدول، ومن يتابع تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب عن النفط الإيراني يتأكد من تلك الرؤية.

وتبقى المحصلة في أغلب هذه النماذج واحدة، إذ تترك بلدان منهكة اقتصاديًا ونسيجها الاجتماعي ممزقًا فضلًا عن بنية تحتية مدمرة، ما يفتح باب التساؤل الجوهري، هل ما يحدث مجرد تداعيات غير محسوبة أم أنه نمط متكرر يبقي هذه الكيانات في حالة هشاشة دائمة؟، وفي هذا السياق يمكن قراءة أحدث فصول التوتر مع إيران بوصفه مثالًا دالًا، إذ بدت الولايات المتحدة مضطرة إلى التراجع وقبول شروط إيران بصورة مباشرة تفاديًا للانزلاق نحو مواجهة شاملة باهظة الكلفة، لتعود دون تحقيق أهدافها المعلنة وفي مقدمتها إسقاط النظام ونهب النفط.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق