الجميلي أحمد يكتب: سناء عبد الوهاب حين يصبح الألم لغة

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

 

ليست سناء عبد الوهاب محمود مجرد شاعرة عامية تمر عبر السطور ثم تنصرف بل هي حالة كتابية تتسلل من الهامش لتعيد ترتيب المتن وتعيد تعريف العلاقة بين اللغة والوجدان حيث لا تبدو العامية عندها أداة بل كائن حي يتنفس ويشتبك ويقاوم ومن أسيوط لا تأتي بوصفها مكانا جغرافيا فقط بل كخزان خبرة يمد النص بخشونة الواقع ودفء الحكاية معا
وبرغم عدم معرفتي بها من قبل إلا أنني اتابع صفحتها علي الفيس بوك وما تنشره إلا أنها تستفز الكتابة عنها داخلك 
سناء عبدالوهاب تكتب وكأنها تزيح الغبار عن المعنى لا تبحث عن البلاغة بقدر ما تفتش عن الصدق ذلك الصدق الذي لا يلمع لكنه يبقى لغتها لا تتأنق بل تتورط في التجربة وتخرج منها مثقلة بما يكفي من الوجع كي تكون حقيقية ومن البساطة كي تبدو قريبة دون أن تكون عادية
في عناوين دواوينها ما يشبه الشفرات الوجدانية حضن قابل للتفاوض ليس مجرد تركيب لغوي بل اعتراف مبطن بأن الحميمية نفسها صارت قابلة للانقسام ونص قلب لا يحيل إلى النقص فقط بل إلى كينونة مبتورة تبحث عن اكتمال مستحيل وطفي السجاير يفتح بابا لعتمة داخلية أكثر مما يشير إلى فعل خارجي أما قهوة بلون البنفسج فتكسر منطق الأشياء لتؤسس مزاجا خاصا يليق بالهروب ومواسم الزعل تبدو كأنها تقويم شعوري لا يخضع لدورات الزمن المعتادة
تتحرك داخل النص بخفة من يعرف ثقل ما يقول تلتقط الهامشي وتعيد صياغته كأنه مركز العالم تجعل من التفاصيل اليومية مساحات تأمل لا تصرخ بل تهمس ولا تشرح بل تلمح وكأن القصيدة عندها ليست بيانا بل أثر يتركه المعنى بعد مروره
الذات الأنثوية في كتابتها لا تقدم نفسها بوصفها قضية بل كحالة إنسانية مركبة لا ترفع شعارات ولا تستعير صوتا جاهزا بل تكتب من الداخل حيث تتقاطع الرغبة مع الخوف والحنين مع الانكسار في توازن غير معلن بين ما يقال وما يؤجل
خلف هذا الصوت خبرة إنسانية قادمة من دراسة الخدمة الاجتماعية حيث يبدو واضحا أن الإنسان عندها ليس موضوعا للكتابة بل شريك فيها وأن القصيدة ليست عزلة بل محاولة للفهم وأن الألم ليس زينة بل مادة أولية يعاد تشكيلها داخل النص
جوائزها لا تصنع تجربتها لكنها تشير إليها كعلامات على طريق الاعتراف فهي تكتب خارج فكرة المنافسة أقرب إلى من يسجل حضوره في الحياة لا في منصة التتويج ومع ذلك يأتي التقدير كصدى طبيعي لصوت لم يساوم على نبرته
فسناء عبدالوهاب مشاركاتها الثقافية ليست مجرد حضور بل نوع من الاشتباك مع المجال العام حيث لا ترى الثقافة رفاهية بل ضرورة ولا تعتبر القصيدة مكتملة إلا إذا خرجت من الصفحة إلى الناس ومن العزلة إلى الفعل
أما تجربتها في الصحافة والإعلام فهي تضيف إلى صوتها بعدا آخر حيث تتقاطع مهارة التقاط اللحظة مع حس بناء الصورة فتغدو الكتابة عندها متعددة الوجوه لكنها تحتفظ بجوهر واحد هو البحث الدائم عن معنى يستحق أن يكتب
سناء عبد الوهاب لا تكتب لتؤكد ما نعرف بل لتربك ما نظنه مستقرا لا تمنح القارئ إجابات جاهزة بل تتركه في مساحة بين الفهم والدهشة حيث تصبح القصيدة احتمال لا يقين
وفي النهاية لا يمكن النظر إلى تجربتها بوصفها إضافة عددية إلى شعر العامية بل كصوت يحاول أن يعيد ترتيب الحساسية الجمالية نفسها صوت يعرف أن الطريق ليس ممهدا لكنه يمضي فيه بثقة من لا يملك إلا أن يكتب ومن يراهن على أن الكلمة حين تصدق لا تحتاج إلى ضجيج كي تبقى

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق