الزاد
السبت 11/أبريل/2026 - 10:57 ص 4/11/2026 10:57:26 AM
جميل أن تبدأ جيهان زكي وزيرة الثقافة في بث روح جديدة للثقافة المصرية، لكن الأجمل أن يأتي هذا التحرك مدعومًا برؤية واعية تدرك أن الثقافة ليست رفاهية، بل ضرورة لبناء الإنسان. فمنذ توليها المسؤولية، بدت حريصة على كسر القوالب الجامدة، والانحياز إلى أفكار قادرة على الوصول إلى الناس في أماكنهم، لا انتظارهم داخل القاعات المغلقة. هذا الوعي بدور الثقافة، وهذه الرغبة في تجديد أدواتها، يعكسان إدراكًا حقيقيًا بأن معركة الوعي لا تُخاض بالشعارات، بل بالمبادرات الحية القادرة على التأثير.
ولا يمكن تجاهل أن ما تقدمه الوزيرة يحمل ملامح اجتهاد واضح لإعادة الحيوية إلى المشهد الثقافي، عبر البحث عن صيغ مبتكرة تجمع بين البساطة والعمق، وتفتح الباب أمام مشاركة أوسع، خاصة من الشباب. فالثقافة التي تتحرك، وتخاطب الناس بلغتهم، وتمنحهم فرصة التفاعل، هي وحدها القادرة على البقاء. ومن هنا يأتي “ماراثون الفنون” كترجمة عملية لهذه الرؤية، حيث يخرج الفن من إطاره التقليدي، ويتحول إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة، تبدأ من الشارع، وتمتد إلى وجدان كل من يشارك فيها أو يشاهدها
ليس من المعتاد أن يخرج الفن من قاعاته ليجري في الشارع، لكن “ماراثون الفنون” كسر هذه القاعدة، وقدم نموذجًا مختلفًا يربط بين الحركة والإبداع، وبين الإنسان ومصادر الجمال من حوله. من أمام متحف الخزف الإسلامي بالزمالك بدأت الحكاية، لا كفعالية عابرة، بل كإشارة إلى أن الفن يمكن أن يكون أقرب مما نتصور، وأن الوصول إليه لا يحتاج سوى فكرة تملك الجرأة على الخروج من المألوف.
في مشهد يحمل الكثير من الدلالات، انطلق صباح اليوم السبت “ماراثون الفنون” من أمام متحف الخزف الإسلامي بالزمالك، ليبدأ رحلة غير تقليدية تمر عبر المتاحف الفنية التابعة لوزارة الثقافة. لم يكن الحدث مجرد فعالية عابرة، بل رسالة واضحة بأن الفن يمكن أن يغادر قاعاته المغلقة، ويتحرك بين الناس، ويصبح جزءًا من إيقاع الحياة اليومية.
الفكرة في جوهرها بسيطة، لكنها عميقة التأثير؛ ربط الحركة البدنية بالفعل الثقافي، وتحويل زيارة المتاحف من نشاط نخبوي إلى تجربة تفاعلية مفتوحة للجميع. فالماراثون لا يقيس سرعة الأقدام بقدر ما يقيس قدرة الفن على الوصول، وعلى كسر الحواجز النفسية التي تفصل الجمهور عن المؤسسات الثقافية.
ولعل الأهمية الكبرى لهذا الحدث تكمن في كونه يفتح نافذة جديدة للترويج لما يمكن أن نطلق عليه “السياحة الثقافية”. فالمتاحف المصرية، بما تملكه من ثراء وتنوع، لا تزال بحاجة إلى أفكار مبتكرة تعيد تقديمها للجمهور، خاصة الأجيال الجديدة التي تبحث عن تجارب مختلفة، لا عن زيارات تقليدية صامتة. هنا يأتي الماراثون كفكرة ذكية، تجمع بين المتعة والمعرفة، وتقدم الفن في قالب حي نابض بالحركة.
كما يمثل الماراثون فرصة حقيقية للشباب للمشاركة في أنشطة ذات مضمون بسيط في ظاهرها، لكنها تحمل بعدًا ثقافيًا عميقًا. فمجرد الانخراط في حدث كهذا، يخلق حالة من الوعي الجماعي بقيمة الفن، ويعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والمشهد الثقافي المحيط به. الفن هنا لا يُفرض، بل يُعاش، ولا يُلقّن، بل يُكتشف.
ومن زاوية أخرى، فإن مثل هذه المبادرات تعكس تحولًا مهمًا في طريقة التفكير داخل المؤسسات الثقافية، التي بدأت تدرك أن دورها لم يعد يقتصر على العرض فقط، بل يمتد إلى الابتكار في أساليب الوصول إلى الجمهور. لم يعد كافيًا أن تمتلك محتوى فنيًا مميزًا، بل الأهم هو كيفية تقديمه، وكيفية جذب الناس إليه.
ومع ذلك، فإن نجاح “ماراثون الفنون” لا يجب أن يتوقف عند حدود الفعالية ذاتها، بل ينبغي البناء عليه وتطويره. يمكن أن يتحول إلى تقليد سنوي، أو سلسلة من الفعاليات الممتدة التي تشمل ورشًا فنية، وعروضًا حية، وتفاعلات مباشرة بين الفنانين والجمهور. كما يمكن توسيع نطاقه ليشمل محافظات أخرى، حتى يصل تأثيره إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين.
في النهاية، يثبت هذا الحدث أن الفن لا يحتاج دائمًا إلى قاعات مغلقة أو منصات رسمية ليؤدي دوره، بل يكفي أن يجد الفكرة التي تحرّكه، والجمهور الذي يتفاعل معه. “ماراثون الفنون” ليس مجرد سباق، بل خطوة في طريق طويل نحو إعادة اكتشاف الفن كقوة ناعمة قادرة على تشكيل الوعي، وبناء الإنسان، وإعادة الروح إلى الشارع الثقافي المصري.
يبقى “ماراثون الفنون” أكثر من مجرد فعالية عابرة؛ هو دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالفن، وكيف يمكن أن يصبح جزءًا أصيلًا من تفاصيل حياتنا اليومية. وإذا كُتب لهذه الفكرة أن تستمر وتتطور، فإنها لن تسهم فقط في تنشيط السياحة الثقافية، بل ستعيد للفن مكانته الطبيعية في وجدان المجتمع، كقوة قادرة على الإلهام، والتنوير، وصناعة إنسان أكثر وعيًا وقدرة على التفاعل مع محيطه.

















0 تعليق