إن المتأمل في مسيرة التاريخ العربي المعاصر، يدرك أن “القوة الناعمة” لم تكن يوماً مجرد ترفيه، بل كانت إحدى ركائز الأمن القومي والوحدة الوجدانية. وحين نتحدث عن غياب قامات مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، فنحن لا نتحدث عن رحيل أصوات غنائية، بل عن انكسار “بوصلة” كانت تجمع شتات الأمة من المحيط إلى الخليج في ساعة محددة وموقف واحد.
لم تكن أم كلثوم مجرد مطربة، بل كانت “وزيرة خارجية” شعبية، وكانت حفلاتها الشهرية بمثابة “مؤتمر قمة عربى” ينعقد في كل بيت عربي. هذا الالتفاف خلق نوعاً من الوحدة الشعورية التي سبقت الوحدة السياسية وعاشت أطول منها.
تفتت الذوق العربي: مع غياب المشروع الثقافي الجامع، سيطرت قيم السوق “الاستهلاكية“. تحول الفن من رسالة بناء إنسان إلى “سلعة” سريعة الزوال، مما أدى إلى غياب المعايير الجمالية التي كانت توحد المزاج العربي.
انحسار المد القومي: ارتبط صوت عبد الحليم بحركات التحرر والأحلام الكبرى. وبغياب هذه الأصوات التي كانت تصيغ أحلام الشعوب في جمل لحنية، فقد المواطن العربي “النشيد” الذي يجمعه بأخيه في بلد آخر، مما أضعف شعور الوحدة والارتباط بالمصير المشترك.
تراجع القوة الناعمة: كانت مصر، عبر هؤلاء المبدعين، تشكل مركز ثقل يجذب الأطراف. وبضعف هذا المركز إبداعياً، تفرق التجمع العربي تقنياً وفنياً، ولم تعد هناك “لغة جمالية” موحدة يفهمها الجميع بنفس الشغف.
إن استعادة القوة والتجمع خلف عمل إبداعي ليست مستحيلة، لكنها تتطلب رؤية تتجاوز الحنجرة إلى العقل:
المحتوى قبل الصوت: الأزمة الحالية ليست في ندرة الأصوات الجميلة، بل في “النص” و”القضية“. استعادة المجد تبدأ بوجود شاعر يدرك نبض الشارع، وملحن يصيغ وجع الأمة وآمالها، وليس مجرد مرفه يداعب الغرائز.
الفن كمشروع حضاري: يجب أن تتبنى المؤسسات الثقافية العربية “صناعة النجم” المثقف الذي يدرك أبعاد هويته، ليكون سفيراً لقضايا بلاده، تماماً كما فعلت أم كلثوم في جولاتها لدعم المجهود الحربي.
تجاوز المحلية الضيقة: المجد يعود حين يخرج العمل الفني من حيز الإقليمية إلى آفاق الهم العربي المشترك. الأغنية التي تلمس جرحاً في القدس، وتداعب حلماً في بغداد، وتطرب لها القلوب في الرباط، هي القادرة على إعادة الاعتبار للوحدة.
استغلال أدوات العصر: لا يعني التمسك بالأصالة الانغلاق على الماضي. استعادة المجد تتطلب تطويع التكنولوجيا الحديثة لخدمة قيمنا الجمالية، لخلق “هوية بصرية وسمعية” عصرية قادرة على منافسة التغريب الثقافي.
إن “الروح” التي غادرت مع هؤلاء الكبار يمكن أن تعود، إذا آمن المبدع العربي أن دوره لا ينتهي عند حدود “المسرح“، بل يبدأ من حيث تنتهي الكلمات ليرسم ملامح أمة لا تنهض إلا إذا غنت بلسان واحد وقلب واحد.
الخلاصة
لقد شكل غياب الرموز الإبداعية الكبرى فراغاً في “الوجدان الجمعي“، مما أدى إلى تفتت الذوق العام وانحسار الفكرة القومية لصالح القطرية أو الفردية.
استعادة هذا المجد لا تبدأ بالبحث عن “نسخ” كربونية من الماضي، بل بخلق مشروع ثقافي يحمل قضايا العصر بصدق، ويعيد للفن دوره كأداة لجمع الكلمة وبناء الهوية، بعيداً عن الاستهلاك السطحي.


















0 تعليق