في لحظات التحولات الكبرى، لا تُقرأ الأحداث منفصلة؛ بل كحلقات في سلسلة واحدة، لكل حلقة توقيتها، ولكل خطوة منطقها الذي يتكشف تدريجيا ً.
ما جرى في غزة، وما تلاه من تصعيد مع إيران، ثم ما يتشكل الآن في الجنوب اللبناني تحت عنوان “المنطقة العازلة”، يفتح بابا ً واسعا ً لسؤال يتردد بقوة: هل نحن أمام إعادة رسم خريطة أمنية للمنطقة؟ وإذا كان الأمر كذلك؛ فأين تقف الضفة الغربية داخل هذا المسار؟
القراءة السطحية قد تقود إلى استنتاج مباشر: “نعم الدور قادم”.
لكن التحليل الأعمق يكشف أن المسألة ليست بهذه البساطة، ولا تسير بنفس الأدوات.
فالجنوب اللبناني يمثل ساحة مواجهة عسكرية مفتوحة، حيث يُستخدم منطق الردع بالنار، وتُفرض الوقائع بالقوة المباشرة.
أما الضفة الغربية، فهي حالة مختلفة تماما ً؛ ليست خارج السيطرة حتى يُعاد إخضاعها، بل هي بالفعل تحت سيطرة مركّبة، أمنيا ً وإداريا ً، وإن لم تُعلن بهذا الشكل الصريح.
وهنا يكمن الفارق الجوهري:
في لبنان، تُفرض “المنطقة العازلة” بالدبابات، أما في الضفة، فقد تُصنع “منطقة عازلة من نوع آخر”؛ لا تُرسم حدودها بخطوط النار، بل بتراكم الإجراءات.
ما يحدث فعليا ً في الضفة الغربية خلال الفترة الأخيرة لا يشير إلى تمهيد لحرب شاملة، بل إلى مسار أكثر هدوءا ًوأطول نفسا ًمن خلال توسّع استيطاني مستمر، تضييق أمني متزايد، محاولات لإضعاف البنية السياسية الفلسطينية، وإعادة تشكيل الواقع الديموجرافي على الأرض خطوة بعد أخرى.
هذا النوع من التحرك لا يصنع عناوين صاخبة، لكنه يصنع نتائج أكثر رسوخا ً.
فالحرب تفرض واقعا ً سريعاً لكنها تبقى قابلة للتغيير، أما التغيير التدريجي، فيتحول مع الوقت إلى “حقيقة يصعب التراجع عنها”.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف سيأتي هذا الدور؟
هل يكون عبر مواجهة عسكرية واسعة، وهو سيناريو مكلف ومعقد في ظل الكثافة السكانية والاعتبارات السياسية المرتبطة بالضفة؟
أم عبر مسار مختلف، يعتمد على فرض واقع جديد دون إعلان، بحيث تستيقظ المنطقة بعد سنوات على خريطة لم تُرسم في مؤتمر .. بل صُنعت على الأرض؟
التجربة تشير إلى أن إسرائيل - في مثل هذه الملفات - تميل إلى الخيار الثاني حين يكون أقل تكلفة وأكثر استدامة.
فبدلا ً من الدخول في مواجهة مفتوحة قد تستنزفها سياسيا ً ودوليا ً، تفضل إدارة المشهد بخطوات صغيرة متتالية، كل واحدة منها لا تبدو حاسمة، لكنها في مجموعها تغيّر الصورة بالكامل.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل طرح فكرة الضم كأحد السيناريوهات المطروحة داخل إسرائيل، وهو ما يضيف بُعدا ً أكثر خطورة للمشهد.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إعلان الضم؛ بل في ما قد يترتب عليه من إعادة تعريف لفكرة الدولة الفلسطينية نفسها.
فليس أخطر ما في الضم أنه يُنهي فكرة الدولة؛ بل أنه يُبقيها قائمة نظريا ً، ويجعلها مستحيلة التطبيق عمليا ً.
وهنا تتحول القضية من صراع على الأرض إلى صراع على إمكانية وجود حل من الأساس، فالأمر لا يتعلق فقط بالجغرافيا، بل بإعادة تعريف الواقع نفسه:
من يسيطر؟ ومن يقرر؟
وأين تبدأ الدولة؟ وأين تنتهي؟
وفي ظل انشغال الإقليم بساحات مفتوحة كغزة ولبنان، يصبح تمرير هذا التحول الهادئ أكثر سهولة، وأقل لفتا ً للانتباه.
في النهاية، قد لا يكون الدور القادم على الضفة الغربية بالمعنى الذي يتخيله البعض؛ لكنه بالفعل بدأ، وإن لم يُعلن.
ففي الشرق الأوسط، لا تُعاد رسم الخرائط دائما ً بالحروب، أحيانا ً تُعاد بصمت إلي أن يكتشف الجميع أنها تغيّرت بالفعل.


















0 تعليق