أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين بعد أن تم الاتفاق على مقترح إيراني من ١٠ نقاط وصفه بأنه "أساس صالح للتفاوض لإنهاء الخلافات السابقة". حيث أشارت وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن المقترح الإيراني يتضمن بروتوكولًا للمرور الآمن عبر مضيق هرمز بعد رفع الحصار عن طريق الملاحة الرئيسي، وفرض تعرفة قدرها مليوني دولار لكل سفينة يتم تقاسمها بين إيران وسلطنة عُمان مع استمرار سيطرة إيران على المضيق.
علاوة على مطالب إيران برفع العقوبات الأولية والثانوية، والقبول بالتخصيب وإنهاء جميع قرارات مجلس الأمن، وإنهاء جميع قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. بالإضافة إلى دفع تعويضات لإيران وإعادة بناء البنية التحتية المتضررة، وخروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات. بما في ذلك وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، وإنهاء الأعمال العدائية في الشرق الأوسط.
لم يكن ما جرى سوى إعادة إنتاج لواحد من أكثر المشاهد السياسية ابتذالًا: ليُسوّق ترامب إعلان النصر في لحظة انكشاف الحقيقة. فحين خرج وقف إطلاق النار مع إيران بوصفه إنجازًا، كان الواقع يقول شيئًا مغايرًا تمامًا.
لم يكن ذلك إلا اعترافًا ضمنيًا بفشل مشروع التصعيد، وانكسارًا أمام معادلة فرضتها طهران على الأرض.
منذ البداية، بُنيت هذه المواجهة على خطاب متضخم، يَعِد بالحسم السريع وإعادة رسم التوازنات في المنطقة. لكن ما حدث فعليًا كان عكس ذلك؛ فإيران لم تتراجع، بل صمدت، ورفعت كلفة المواجهة إلى مستوى لم يعد مقبولًا لدى واشنطن. وهنا تحديدًا، بدأ التراجع المغلف بلغة الانتصار. فقرار وقف إطلاق النار لم يكن خيارًا تكتيكيًا بقدر ما كان مخرجًا اضطراريًا من مأزق يتفاقم ويتسع نطاقه.
الأدهى من ذلك أن الشروط التي رافقت هذا "الاتفاق" كشفت هشاشة الموقف الأمريكي. فبدلًا من فرض الإملاءات، وجدنا إدارة ترامب تقبل بتفاهمات أقرب إلى التنازل منها إلى التسوية. وهذا ما يفسر محاولة تسويق الحدث إعلاميًا باعتباره نجاحًا، في حين أنه لا يعدو كونه تراجعًا مُجبرًا بعد استنزاف سياسي واقتصادي وعسكري.
لقد حاول ترامب أن يحوّل الهزيمة إلى خطاب تعبوي، مستندًا إلى آلة دعائية بارعة في إعادة صياغة الوقائع. لكن الشعوب، وحتى الحلفاء، لم يعودوا يكتفون بالشعارات. فالمحصلة النهائية واضحة: لا تغيير جوهري في موازين القوى، ولا تحقيق للأهداف الاستراتيجية المعلنة، بل على العكس، تعزيز لمكانة الخصم وإظهار محدودية القدرة على فرض الإرادة بالقوة.
إن أخطر ما في هذا "النصر المزعوم" أنه يكرّس سابقة خطيرة في السياسة الدولية: إمكانية التراجع دون الاعتراف، والانكفاء دون محاسبة. وهذا لا يضعف فقط صورة الولايات المتحدة، بل يفتح الباب أمام قوى أخرى لإعادة اختبار حدود النفوذ الأمريكي.
في النهاية، لم يكن وقف إطلاق النار تتويجًا لانتصار، بل ستارًا يُخفى وراءه فشل واضح. وبين خطاب القوة وواقع التراجع، تتكشف الحقيقة: حين يُقدَّم التنازل على أنه إنجاز، فإننا لا نكون أمام نصر، بل أمام هزيمة مُرّة تُروى بلغة مختلفة.


















0 تعليق