إجراءات مالية احترازية تضع املواطن فى قلب التكلفة
فى ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتداعيات الحرب التى تلقى بظلالها على اقتصادات العالم، تدخل الحكومة مرحلة أكثر حذراً فى إدارة الملف المالى، مدفوعة بتصريحات مصطفى مدبولى التى أكدت تبنى نهج «ميزانية المخاطر» كأداة استباقية لمواجهة التقلبات المحتملة، وبين محاولات احتواء الضغوط الخارجية، تبرز تساؤلات ملحة حول مدى قدرة الدولة على امتصاص الصدمات دون تحميل المواطن أعباء إضافية.
أوضح دكتور كرم سلام، الخبير الاقتصادى الدولى ومستشار العلاقات الاقتصادية الدولية، قائلاً: «إلى أنه فى زمن تتسارع فيه الأزمات وتتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، لم يعد الحديث عن الموازنات العامة مجرد عرض لأرقام الإيرادات والمصروفات، بل أصبح نقاشاً عميقاً حول كيفية إدارة «المخاطر» قبل وقوعها، ومن هنا برز مصطلح «ميزانية المخاطر» كأحد المفاهيم الحديثة التى تعكس وعى الدولة بطبيعة المرحلة الراهنة، خاصة فى ظل التوترات الجيوسياسية الممتدة من قطاع غزة إلى اضطرابات الملاحة فى البحر الأحمر، وما تفرضه من تحديات مباشرة على الاقتصاد المصرى، والتى تعنى ببساطة، هى ذلك الجزء المرن داخل الموازنة العامة الذى يخصص لمواجهة الصدمات غير المتوقعة، سواء كانت ارتفاعاً مفاجئاً فى أسعار الغذاء والطاقة، أو تراجعاً فى موارد النقد الأجنبى، أو اضطرابات فى سلاسل الإمداد العالمية، وفى الحالة المصرية، لا ينظر إلى هذا المفهوم كترف مالى، بل كضرورة حتمية، خاصة وأن الاقتصاد المصرى يتأثر بشكل مباشر بأى تغيرات فى التجارة العالمية أو حركة النقل، خصوصاً عبر قناة السويس التى تعد أحد أهم شرايين الدخل القومى.
ولفت «سلام»، إلى أن هذه التحركات تعكس بلا شك وجود قلق حقيقى، وليس مجرد احتراز نظرى، من تداعيات ممتدة للحروب على الاقتصاد المصرى، فالأرقام تشير إلى تراجع إيرادات قناة السويس فى بعض الفترات بنسب اقتربت من 40% نتيجة اضطرابات الملاحة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الشحن عالمياً بأكثر من 30%، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع فى السوق المحلى. كما أن الضغوط على العملة الأجنبية تظل قائمة فى ظل تذبذب مصادر النقد الأجنبى، سواء من السياحة أو الاستثمار أو التحويلات، ورغم ذلك، لا يمكن القول إن الحكومة تتحرك فقط برد الفعل؛ بل إنها تحاول الموازنة بين التخطيط الاستباقى والاستجابة السريعة، فهناك سيناريوهات يتم إعدادها مسبقاً لمواجهة تطورات محتملة، مثل استمرار الحرب لفترة طويلة، وهو ما قد يؤدى إلى موجة تضخم جديدة قد تتراوح بين 25% و35%، وزيادة الضغوط على سعر الصرف، وارتفاع عجز الموازنة نتيجة زيادة الإنفاق على الدعم، وفى مثل هذه السيناريوهات، يصبح التحدى الأكبر هو كيفية احتواء الأزمة دون فقدان السيطرة على الاستقرار الاقتصادى.
وتابع، أما إذا تحققت هذه السيناريوهات، وظهرت موجة جديدة من التضخم، فإن المواجهة لن تكون مسئولية الحكومة وحدها، بل هى مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع. فالحكومة مطالبة بتعزيز الدعم النقدى المباشر، وتشديد الرقابة على الأسواق، ودعم الإنتاج المحلى لتقليل الاعتماد على الاستيراد، فى حين يطلب من المواطن قدر من الترشيد وإعادة ترتيب الأولويات الاستهلاكية. ومع ذلك، يبقى العبء الأكبر واقعاً على كاهل المواطن، الذى قد يواجه ارتفاعاً فى أسعار الغذاء والطاقة، وزيادة فى تكاليف النقل، وتراجعاً فى القوة الشرائية، وهو ما يضع الطبقة المتوسطة تحديداً تحت ضغط متزايد، ومن هنا تبرز أهمية اتخاذ إجراءات واضحة لحماية الفئات الأكثر تأثراً، من خلال زيادة مخصصات الدعم بنسبة لا تقل عن 20 إلى 30%، وتوسيع نطاق برامج الحماية الاجتماعية لتشمل العمالة غير المنتظمة، إلى جانب توفير السلع الأساسية بأسعار مدعومة عبر المنافذ الحكومية. لكن التحدى الحقيقى لا يكمن فقط فى تقديم الدعم، بل فى ضمان وصوله إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة.
ونوه على أنه يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن طمأنة المواطن بأن «ميزانية المخاطر» لن تتحول إلى عبء جديد على حياته اليومية؟ الإجابة تكمن فى الشفافية أولاً، وفى وضوح السياسات ثانياً، وفى توجيه الدعم بشكل عادل وفعال ثالثاً. فكلما شعر المواطن بأن الدولة تشاركه التحديات وتعمل على حمايته، زادت قدرته على الصمود والتكيف، وفى النهاية، لم تعد إدارة الاقتصاد فى مصر-ـ كما فى العالم-ـ مرتبطة فقط بالنمو والأرقام، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة على امتصاص الصدمات والتعامل مع المجهول. و«ميزانية المخاطر» ليست مجرد بند فى الموازنة، بل هى انعكاس لرؤية جديدة تدرك أن الاستقرار فى زمن الأزمات لا يتحقق بالصدفة، بل بالتخطيط، والاستعداد، والشراكة الحقيقية بين الدولة والمواطن.
الرسالة الأساسية التى يمكن استنباطها، أن الحكومة تسعى لكى تتعامل مع الأزمة بشكل استباقى قبل أن تتحول إلى أزمة داخلية، هكذا بدأ أحمد شوقى، عضو الهيئة الاستشارية لمركز مصر للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، كلامه قائلاً:»أن ميزانية المخاطر، تعتبر إطار اقتصادى ومالى تستخدمه الدولة لتقييم قدرة الحكومة والقطاع المصرفى على مواجهة صدمات غير متوقعة، مثل الحروب أو الأزمات الجيوسياسية، وذلك من خلال تخصيص موارد احتياطية وتحليل السيناريوهات المحتملة لتقليل أثرها على الاقتصاد، وفى السياق الحالى، تشمل هذه الميزانية، الاحتياطيات الأجنبية لتأمين الاستيراد الحيوى، وأدوات التحوط ضد تقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وخطط الدعم النقدى المباشر للفئات الأكثر هشاشة، وهى تمثل وسادة أمان مالية واقتصادية تمنع الانهيار المفاجئ فى حالة الصدمات العالمية.
ولفت «شوقى» إلى أنه من الممكن أن تترجم تصريحات رئيس الوزراء إلى إجراءات ملموسة من خلال مراجعة دورية للسياسات المالية والنقدية لمواجهة أى صدمات محتملة فى الأسواق المحلية، وتعزيز احتياطى النقد الأجنبى لضمان استمرار واردات السلع الأساسية، خاصة القمح والوقود، وتطوير برامج الحماية الاجتماعية (الدعم المباشر، البطاقات التموينية الموسعة، دعم الوقود والكهرباء للفئات الأكثر ضعفاً)، بالإضافة إلى استراتيجيات استباقية فى القطاع المصرفى مثل زيادة السيولة المحلية وإعادة جدولة الديون الحكومية قصيرة الأجل.
ونوه الخبير الاقتصادى بأن الحكومة تعتمد على سيناريوهات استباقية من خلال وضع خطط بديلة للطاقة، الاستيراد، ودعم السلع الأساسية، ورفع الاحتياطى النقدى، وأحياناً تتحرك وفق رد الفعل، كتعديل أسعار المحروقات أو تدخل فى سوق العملات عند حدوث تقلبات حادة، فالاستراتيجية الفعلية تميل إلى التوازن بين الوقاية والتدخل عند الحاجة لضمان مرونة الاستجابة.
وأشار إلى وجود عدة سيناريوهات متوقعة فى حال استمرار الحرب لفترة طويلة، منها ارتفاع التضخم: نتيجة زيادة تكلفة الواردات والاعتماد على الاستيراد، وضغوط على الميزانية العامة: لزيادة الدعم الاجتماعى والحفاظ على استقرار الأسعار، وتأثير محدود على النمو الاقتصادى: إذا تراجعت الاستثمارات الأجنبية أو السياحة، وتغيرات فى التجارة الخارجية: تحول بعض الشركاء التجاريين والاعتماد على بدائل جديدة، لافتاً إلى أنه إذا حدث موجة جديدة من التضخم أو ارتفاع الأسعار، الحكومة ستواجه هذا الأمر من خلال رفع الدعم المستهدف، برامج دعم نقدى مباشر، مراقبة الأسعار، والسيطرة على المضاربات والممارسات الاحتكارية، والمواطنين من خلال إدارة الاستهلاك والإنفاق، مع التركيز على السلع الأساسية، والادخار الوقائى حيث أمكن، والبنوك من خلال توفير أدوات ادخار واستثمار قصيرة الأجل تواكب التضخم وتحافظ على القيمة الشرائية.
ووضع الخبير عدة إجراءات يجب اتباعها لحماية الفئات الأكثر تأثراً من ارتفاع الأسعار، كتوسيع برامج الدعم الغذائى والطاقة بشكل استباقى، وتقديم منح نقدية دورية للفئات الهشة بدلاً من دعم الأسعار العام الذى قد يستفيد منه الجميع، وضمان استقرار الأسعار فى السلع الأساسية عبر التدخلات السوقية، وعمل برامج تمويلية صغيرة ومتاحة للفئات الأشد ضعفا لتخفيف آثار التضخم على حياتهم اليومية، كما أنه يجب على الحكومة تنفيذ الإصلاحات بشكل تدريجى مع وجود خطط حماية اجتماعية موازية، والتركيز على الإصلاحات الهيكلية مثل تحسين كفاءة الدعم الحكومى، زيادة الإنتاج المحلى، وتحسين الاستثمار بدلاً من رفع الضرائب أو الأسعار فجأة، والتواصل المستمر مع المواطنين لشرح الأهداف طويلة المدى وكيفية حماية القدرة الشرائية.
واضاف أنه يجب على الحكومة أن تطمئن المواطن بأن “ميزانية المخاطر” لن تتحول إلى أعباء مباشرة على حياته اليومية، من خلال شفافية كاملة أى من خلال الإعلان عن مكونات ميزانية المخاطر وكيفية استغلالها، واستهداف الدعم للفئات الأكثر هشاشة وعدم تحميل المواطن العادى أعباء مباشرة، والتأكيد أن الاحتياطيات مخصصة للأزمات وليست لأغراض أخرى، ووضع خطط استباقية لمنع التضخم أو تقلبات الأسعار من الوصول إلى المواطن العادى.


















0 تعليق