كشفت المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة عن نقطة ضعف استراتيجية غير مسبوقة فى المنظومة الدفاعية لواشنطن تتمثل فى اعتماد واشنطن شبه الكامل على الصين لتأمين معدن «الجاليوم» الحيوي، وهو المكون الأساسى لصناعة الصواريخ الاعتراضية وأنظمة الرادار المتطورة.
وأسفرت الاشتباكات التى استمرت أكثر من شهر وانتهت بهدنة منذ أيام، عن استنزاف كبير فى مخزون القوات الأمريكية من الصواريخ الاعتراضية، إضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بوحدات الرادار ومنظومات الدفاع الجوي، مع تقديرات خبراء عسكريين بتدمير بعضها بالكامل.
وأشارت مجلة «بوليتيكو» الأمريكية فى تقرير لها إلى أن عملية إعادة بناء هذه المنظومات قد تمتد لسنوات، وتتطلب كميات هائلة من معدن الجاليوم الذى تسيطر بكين على أكثر من 90% من معالجته عالمياً، ومع تصاعد الطلب الأميركى الملح على الجاليوم لإعادة تأهيل مخزونها الدفاعي، يبدو الموقف التفاوضى للصين أكثر قوة مع اقتراب موعد القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترمب وشى جين بينج منتصف مايو المقبل.
ويعد الجاليوم عنصراً لا غنى عنه فى رقائق أشباه الموصلات التى تدخل فى تصنيع أنظمة الرادار والصواريخ الاعتراضية، حيث يعزز دقتها وقدرتها على كشف وتتبع التهديدات الجوية، ولم تخف الصين نيتها استخدام هذا المعدن كورقة ضغط، إذ سبق أن فرضت قيوداً على صادراته خلال فترات التوتر التجارى مع واشنطن.
وصرح ميخائيل زيلدوفيتش، المستثمر المتخصص فى أسواق المعادن الحيوية، للمجلة:» بشكل عام، هل يجعلنا ذلك أكثر عرضة للخطر؟ نعم، بلا شك»، وتأتى تصريحاته بالتزامن مع قفزة فى أسعار الجاليوم بنسبة 32% خلال الشهر الماضى فقط، بعد فترة من الانخفاض أعقبت الاتفاق التجارى بين البلدين فى 30 أكتوبر.
وبحسب تحليل أجراه معهد «Payne Institute for Public Policy»، فإن تدهور كفاءة أنظمة الرادار الأمريكية يضطر القوات إلى إطلاق عدد أكبر بكثير من الصواريخ الاعتراضية لمواجهة التهديدات، حيث قد يحتاج إسقاط هدف واحد إلى ما بين 10 و11 صاروخاً، مما يؤدى إلى استنزاف سريع وغير مسبوق للمخزون العسكري.
ويضاعف الوضع تعقيداً أن هذه المعادن لا تقتصر أهميتها على المجال العسكرى فقط، بل تمتد إلى صناعات مدنية حيوية مثل السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح وأجهزة الحاسوب والهواتف الذكية، وتعتمد أنظمة توجيه الصواريخ المتطورة أيضاً على عناصر أرضية نادرة ثقيلة مثل «التيربيوم» و«الديسبروسيوم»، التى تهيمن الصين على عمليات تكريرها عالمياً.
كما حذر برايان هارت، نائب مدير مشروع «China Power Project» فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، من أن تعطل سلاسل إمداد هذه المعادن سيخلق اختناقات جديدة فى صناعات الدفاع الأميركية التى تعانى أصلاً من صعوبات فى تلبية إحتياجتها من معدن الجاليوم.
وتبرز قضية إعادة بناء الترسانة الدفاعية وعلاقتها بالجاليوم الصينى كأحد أبرز الملفات فى محادثات ترمب وشى جين بينج المرتقبة.
وعلقت ويندى كاتلر، المفاوضة السابقة فى مكتب الممثل التجارى الأميركي، على تحول ميزان القوى التفاوضية بالقول: «بمجرد أن تبدو كطرف لديه طلبات، تصل العلاقة إلى نقطة يبدأ فيها الطرف الآخر باستشعار النفوذ، وبالتالى يمكن لبكين رفع سقف مطالبها».
وأضافت، يظل اتفاق «بوسان» التجارى مستقراً نسبياً منذ خمسة أشهر، مع التزام الصين بتخفيف قيود التصدير على المعادن الحيوية، لكن أى مساس بهذا الاتفاق قد يعيد البلدين إلى تصعيد تجارى جديد بتداعيات كبيرة على الاقتصاد الأميركي.
كما أكد البيت الأبيض، عبر المتحدث كوش ديساي، أن إدارة ترمب تولى أولوية قصوى لحماية الأمن القومى والاقتصاد الأميركي، مشيراً إلى إجراءات غير مسبوقة لتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، تشمل استثمارات فى التعدين واتفاقيات دولية.
وأخيراً مع دخول الهدنة حيز التنفيذ، تتيح الفرصة للجيش الأمريكى لحصر خسائره وتحديد احتياجاته الفعلية لإعادة البناء، وتبقى الأنظار متجهة نحو بكين، حيث قد ترسم تحركاتها المقبلة فى سوق المعادن النادرة ملامح المرحلة القادمة من علاقات القوى العظمى، وفى الوقت الذى تسعى فيه واشنطن إلى تأمين مصادر بديلة، تؤكد الأرقام ومعطيات السوق أن طريق استعادة المخزون الدفاعى الأمريكى سيمر، ولو جزئياً عبر الصين فى المدى القريب.
من ساحة المعركة إلى طاولة التفاوض .. ﺑﻜين ﺗﺘﺤﻜﻢ ﻓﻰ اﻟﺘﺮﺳﺎﻧﺔ اﻟﺪﻓﺎﻋﻴﺔ ﻟﻮاﺷﻨﻄﻦ
من ساحة المعركة إلى طاولة التفاوض .. ﺑﻜين ﺗﺘﺤﻜﻢ ﻓﻰ اﻟﺘﺮﺳﺎﻧﺔ اﻟﺪﻓﺎﻋﻴﺔ ﻟﻮاﺷﻨﻄﻦ


















0 تعليق