في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي قرر عثمان آغا الطوبجي، أحد قادة الجيش العثماني وقائد المدفعية في مدينة رشيد، إنشاء طاحونة في شارع الأمصيلي بمدينة رشيد بمحافظة البحيرة ، وبمرور الوقت أصبحت الطاحونة معلما أثريا بارزا يروي تاريخ المدينة، التي عرفت لسنوات طويلة بكثرة طواحينها.
تاريخ الطاحونة ومنشئها
شيدت طاحونة أبو شاهين على يد عثمان أغا الطوبجي خلال النصف الثاني من القرن الـ12 هـ (18 م)، وقد كانت مخصصة لطحن الغلال، مما جعلها واحدة من أهم المنشآت الاقتصادية في ذلك العصر.
الطواحين في تاريخ رشيد
في العصور الوسطى، لم يكن طحن الغلال مجرد عملية يومية، بل كان مناسبة احتفالية، حيث كان الفلاحون وأصحاب الغلال يسيرون في مواكب إلى الطواحين على أنغام الطبل والمزامير، حاملين محصولهم على الدواب، آملين العودة بدقيق يكفيهم حتى موسم الحصاد التالي.
كانت الطواحين تبنى بطريقتين إما كمنشآت مستقلة أو جزءا من منازل الأثرياء، حيث كانت الأخيرة تدار بالدواب بينما اعتمد الفقراء على قوتهم البدنية لتحريك الطواحين.
أما طاحونة أبو شاهين فقد تم بناؤها لخدمة المجتمع دون هدف ربحي، إذ خصصت عائداتها لدعم مسجد "المحلي" أحد أكبر مساجد رشيد في ذلك الوقت، و يرجح أن اسمها جاء من آخر الطحانين الذين عملوا بها قبل توقفها.
الطاحونة وعمارتها الفريدة
أشار الأستاذ محمود الحشاش مفتش بمنطقة أثار رشيد ومدير الوعى الأثرى " للوفد " أن طاحونة أبو شاهين بنيت من الطوب المنجور، الذي اشتهرت به رشيد، حيث كان يحرق بدرجات حرارة معينة ليكتسب اللونين الأحمر والأسود، كما زودت الجدران بعوارض خشبية لمنع التشققات المستقبلية، بينما دعمت الأسقف بأعمدة خشبية قوية.
وأكد الحشاش أن تشغيل الطاحونة فكان يتم بواسطة بغال معصوبة العينين، مما ساعد في استمرار عملها دون توقف، إذ لم تكن الدابة تدرك غياب الطحان فتتوقف عن الحركة، كما ساعد ذلك في حمايتها من الشعور بالدوار نتيجة الدوران المستمر.
وقال مفتش ٱثار رشيد أن الطاحونة تتألف من مدخل رئيسي يطل على شارع الأمصيلي، ويؤدي إلى "الدركاة" أو "المسطاح"، وهو المكان المخصص لتجميع الغلال وتهويتها قبل الطحن.
وأضاف الحشاش أن الطاحونة تحتوي على مدارين شرقي وغربى يشكلان قلبها الرئيسي، ويتكون كل مدار من حجر مستدير له فتحة لصب الدقيق، وقاعدة ثابتة لحجز الحجر العلوي المتحرك، الذي كان يدور عبر نظام معقد من التروس الخشبية المتصلة بعامود رئيسي يدور بفعل حركة البغال.
تفاصيل تشغيل الطاحونة
قال محمود الحشاش أن كان هناك فتحتان معقودتان تعلوهما أعمدة رخامية، حيث يجلس المشرف على تشغيل الطاحونة، بالإضافة إلى تجاويف ضحلة في الجدران لحماية الحيوانات أثناء الدوران.
كما ضمت الطاحونة غرفة لمبيت الطحان، وإسطبلا للبغال المخصصة لإدارة الطاحونة، مزودا بحوض مياه وأماكن لوضع العلف.
وأكد مفتش اثار رشيد أن ما يميز طاحونة أبو شاهين أنها كانت قادرة على طحن نوعين مختلفين من الحبوب في آن واحد، حيث احتوت على قادوسين منفصلين لكل نوع من الحبوب، مع صندوقين خاصين لضبط درجة نعومة أو خشونة الدقيق.
نظام العمل
استمرت الطاحونة في العمل يوميا باستثناء يوم الجمعة، حيث كان الطحان يأخذ إجازته الأسبوعية، وتتاح الفرصة لصيانة أحجار الطحن باستخدام أدوات خاصة لتنظيفها من بقايا الحبوب، أما أجر الطحن فكان يدفع إما نقدا أو بنظام المقايضة، حيث يحصل الطحان على جزء من الحبوب المطحونة أو غيرها من المحاصيل.
إرث تاريخي فريد
على مدى قرون، ظلت طاحونة أبو شاهين شاهدا على تاريخ مدينة رشيد، ورمزا للحياة الاقتصادية والاجتماعية في ذلك العصر، حيث جمعت بين التراث المعماري المميز والدور الخدمي الذي قدمته للمجتمع المحلي.
القيمة التاريخية
تعد طاحونة أبو شاهين واحدة من أهم المعالم التراثية في رشيد، حيث تعكس تفاصيلها المعمارية مدى التطور الذي بلغه الإنسان في استغلال الموارد المتاحة لتحسين الإنتاج الزراعي، واليوم ما زالت هذه الطاحونة تحكي قصة مدينة بأكملها، نابضة بالحياة والتاريخ.
تمثل طاحونة أبو شاهين تحفة معمارية فريدة، ليست مجرد آلة لطحن الحبوب، بل قطعة من التاريخ تنبض بسحر الماضي، ما يجعلها وجهة لا غنى عن زيارتها لكل محب للتراث والآثار الإسلامية.
واليوم، تقف الطاحونة كأثر تاريخي يعيد إحياء ذكريات ماضى زاخر بالحياة والتقاليد الفريدة.

















0 تعليق