لو لم أكن ...

الوفد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

«‏السعادة»‏ ـ كما وصفها «‏تولستوي» ـ ‏تكمن في «‏شيء‏ ‏تعمله‏، ‏وآخر‏ ‏تحبه،‏ ‏وثالث‏ ‏تطمح‏ ‏إليه»، أما «‏أرسطو» فقد أطلق اسم «يومونيا» باللغة اليونانية القديمة على معناها، واصفًا إياها بأنها ليست شيئًا نقدمه للآخرين، أو تلبية احتياجات ورغبات مادية فقط!

بعد مرور 14 عامًا، على نشر أول تقرير للأمم المتحدة لقياس مستوى السعادة والرفاهية لدى الشعوب، في العام 2012، اختلفت المقاييس والنظريات، باختلاف الانتماء الديني والعرقي والجغرافي.. وحتى المستوى الثقافي والحالة النفسية!

لكن، إذا كان «التقرير» يعتمد معايير مادية بحتة، تُطبق على دول العالم بأسره، من دون النظر إلى اعتبارات الاختلاف بين الغرب «المتقدم» و«المستقر» إلى حدٍّ بعيد، والشرق «النامي» و«المضطرب» بشكل كبير.. فما مدى مصداقية هذا الترتيب العالمي؟!

ربما نتقبل ترتيب الدول العشر الأوائل، المتربعة على عرش الشعوب الأكثر سعادة، لتوفر شروط الرفاهية والمعيشة الكريمة والحياة الراقية لشعوبها بشكل كبير، لكن ما يدعو للدهشة هو وجود بعضها يتصدر القائمة، رغم تزايد مؤشرات انتهاكات حقوق الإنسان، ما يجعل هذا «المقياس» مثيرًا للجدل والسخرية!

مؤخرًا، نشر مركز أبحاث «الرفاه» في جامعة «أكسفورد» ـ في تقريره السنوي ـ أن «فنلندا» تربعت على عرش «أسعد بلد في العالم» للسنة التاسعة على التوالي، فيما جاءت دول الشمال الأخرى مثل آيسلندا والدانمارك والسويد والنرويج ضمن المراكز العشرة الأولى، لكن اللافت أن «كوستاريكا» القابعة في أمريكا الوسطى، حلَّت بالمركز الرابع عالميًّا، بعد أن كانت الثالث والعشرين قبل ثلاثة أعوام!

بالطبع، تلك التقييمات ليست عشوائية، بل تتم وفقًا لدراسات معتبَرة، تعتمد على إحصاءات دقيقة لمراكز بحثية متخصصة ومرموقة، إذ تطرح أسئلة للسكان عن نظرتهم لمستوى سعادتهم، مع عقد مقارنة للنتائج بإجمالي الناتج المحلي في البلاد، وكذلك تقييم مستوى الحريات الفردية والشفافية وتداول المعلومات ونِسب الفساد، لإعطاء علامة إجمالية لكل بلد.

لكن المؤسف حقًا، أن تكون «دولة الاحتلال الصهيوني» ـ وفقًا للتقرير ـ الأسعد في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، اللهم إلا إذا كانت سعادتها مبنيَّة على التمييز العنصري، وممارساتها الوحشية، وجرائم الحرب الفظيعة التي ترتكبها بحق المدنيين والأبرياء، وانتهاكاتها المستمرة للمقدسات الإسلامية والمسيحية بالقدس.. وأخيرًا إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين!

وبعيدًا عن البلدان العربية «التعيسة»، القابعة في ذيل الترتيب، سنجد الفنلنديين هم أسعد شعوب الأرض على الإطلاق، حيث يتوفر لهم كافة سبل الراحة، من خلال ارتفاع متوسط دخل الفرد، وانخفاض نسبة البطالة، وتميز الخدمات الصحية والتعليمية، في ظل مناخ من الحرية والمساواة والعدالة.

أخيرًا.. نتصور أن أهم ما يميز فنلندا «السعيدة»، ويجعلها متفردة عن الآخرين، هو نجاحها الكبير في رفع جودة مستوى الحياة، وأنها تركز جُلَّ اهتماماتها وإمكاناتها وميزانيتها منذ عقود، على تطوير التعليم، الذي يعد الأرقى والأقوى في العالم.

فصل الخطاب:

يقول «ألبرت آينشتاين»: «الحياة الهادئة المتواضعة تجلب سعادة أكثر من السعي وراء نجاح مصحوب بقلق دائم».

 

[email protected]

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق